حسن الأمين

143

مستدركات أعيان الشيعة

عظيمة وأحرق ونهب وخرب شيئا كثيرا من الدور والأموال فيها . وهو الذي أمر بقتل المجتهد السيد مسعود شيخ الإسلام في قزوين . وبعد استشهاد « الشيخ فضل الله النوري » ببضعة أشهر سار « يفرم » إلى زنجان لاخضاع أنصار الشاه المخلوع ، قائدا لجيش يتالف من خمسمائة فارس من البختياريين ومائتين من عسكر القوزاق ومائتين من الأرمن والقفقاسيين والكرج ، ومعه أيضا ضابطان ألمانيان . فلما تغلب على المعارضين أراد أن يقتل عالم زنجان المجتهد « الملا قربان علي » ولكن الحكومة ، وقد أحست بالنقمة العامة التي أحدثها مقتل « الشيخ فضل النوري » ، منعته من قتله وأمرت بإرساله إلى طهران . إلا أن « يفرم » ، مع ذلك ، قتل جماعة من رجال « الملا قربان علي » وقتل معهم بضعة رجال آخرين بتهمة معارضة النظام النيابي . وبعد خلع « محمد علي شاه » وسيطرة « المجاهدين » ( 1 ) على طهران عين « يفرم » رئيسا لشرطة طهران . فجمع فيها أتباعه ورجاله وتجبر وطغى في التنكيل بمخالفي المجلس النيابي فسجن فريقا منهم وقتل فريقا آخر . وأصر على قتل « الشيخ فضل الله نوري » أعلم وأتقى علماء المسلمين الإيرانيين يومئذ . فقتل بحكم محكمة تشكلت من جماعة من المستهترين والإمعات والجبناء ، حكمت عليه بأنه « واجب القتل مفسد في الأرض » ، انصياعا منها لاصرار « يفرم » . ولو كان قتل « الشيخ فضل الله » غيرة من رئيس شرطة طهران « يفرم » ورفاقه على النظام النيابي ، لما أطلق سراح الارهابي المأجور « حيدر عمو أوغلي » بعد أن اعتقل لقتله « السيد عبد الله البهبهاني » ، والبهبهاني لم يكن « واجب القتل » ولا « مفسدا » في الأرض بحسب مقاييس « المجاهد » يفرم « وأعضاء محكمته ، بل كان أبرز شخصية بين مؤيدي النظام النيابي وفي رأس المكافحين لتحقيق هذا النظام ؟ ! . . وهو ، إلى ذلك ، نائب في المجلس ( 2 ) وهنا يتضح جانب من حالات التشويش والتشعت في حركة المطالبة بالنظام النيابي ، تلك الحالات التي أدركها » الشيخ فضل الله النوري « واستنكرها ثم بذل حياته من أجل تفاديها . فالبهبهاني ، مع كل أخطائه ، يظهر أنه كان يسعى إلى قيام نظام نيابي صحيح . ومن الأدلة على ذلك قيام حركة مناهضة له من النواب المشبوهين في داخل المجلس . ولكنه بقوة بيانه وحيوية نشاطه وماضيه الحافل كان يقدر غالبا على اكتساب الأكثرية إلى جانبه وإلزام معارضيه حدودهم وصدهم عن غاياتهم التخريبية . فالمؤامرة على البهبهاني لم تبدأ من » حيدر عمو أوغلي « بل بدأت من المجلس نفسه ، وكان » يفرم « شريكا فيها ، أو ، على الأقل ، عالما بها . وقد قيل هذا القول صراحة في المظاهرات التي قامت استنكارا لحادث الاغتيال . ووقعت حوادث انتقام قتل فيها بعض أنصار النائب » السيد حسن تقي زادة « ، وهو المتهم الأول بتدبير المؤامرة . وكان هذا قبل عشرين يوما من حادث الاغتيال قد طلب من المجلس إجازة بالتغيب ثلاثة أشهر ، وبعد ذلك لم يجرؤ على الظهور واختبأ في منزل أحد أصدقائه بضعة أسابيع ثم سافر إلى تركيا ومنها إلى أوروبا . إن « حيدر عمو أوغلي » وحاميه « يفرم » الأرمني كانا معدودين من رؤساء « المجاهدين » وقادتهم وأبطالهم . و « السيد حسن تقي زاده » نائب مرموق في المجلس . و « السيد عبد الله البهبهاني » ركن شامخ من أركان الحياة النيابية ، ورائد شجاع من روادها . فما عدا مما بدا حتى تأمر أولئك عليه وقتلوه ؟ ! أصبح « يفرم » في رئاسة الشرطة دكتاتور طهران يفعل ما يشاء . وكان من جملة أعماله أنه ألغى بضع إدارات من دوائر الشرطة وأغلق أبوابها وطرد موظفيها منها بالركل والصفع . فعل ذلك من نفسه من غير أن يراجع رؤساءه . وأمر أحد الوزراء الشرطة باغلاق بعض مؤسسات العدلية . فأرسل « يفرم » جماعة من رجال الشرطة لاغلاقها . وطلب قضاة المؤسسة اطلاعهم على الأمر الرسمي بالاغلاق . فغضب « يفرم » وعد طلبهم وقاحة وأمر بتوقيفهم وأغلق المؤسسة بالقوة . وفي أثناء هذه الأعمال وأمثالها كان « يفرم » لا ينفك مهتما بتشكيلات حزب « الطاشناق » ( 3 ) وجلب أعضاء جدد إليه يختارهم من رفاقه المجربين في مجال الإرهاب والطاعة العمياء . وجاء إلى دائرة الشرطة مفتش من وزارة المالية يوما ومعه أمر رسمي خطي من الوزير بالتفتيش في حساب صندوق الشرطة . فاخذ « يفرم » ورقة الأمر فمزقها وضرب المفتش وطرده فخرج وقد أصيب بجروح ورضوض في جسمه . وأخذت صحف ونشرات مختلفة تهين صراحة المقدسات الدينية وتسخر بالإسلام ، وكلها تدعي لنفسها نسبا يتصل بالنظام النيابي والمطالبة بالنظام النيابي . لم تقتصر الحركة الدستورية النيابية على طلاب الإصلاح والشبان البريئين المتعطشين إلى الحرية والعدالة بل شارك فيها جماعات من المغرضين وممتهني الإرهاب وعملاء الأجانب والماسونيين والبابيين والأزليين . وكان في جملة أغراض البابيين الانتقام من الأسرة القاجارية لسابقة مقاومتها لهم وانتقام « ناصر الدين شاه » منهم بعد أن حاولوا اغتياله . وكانوا أيضا يتلهفون متطلعين إلى أن تحقق هذه الحركة ما وعدهم به مؤسس بدعتهم « علي محمد الباب » في كتابه المسمى « البيان » ، وهو كتابهم المقدس . وهو أن أعداء « البيان » سيصيرون إلى الذل وينتصر أتباع الباب ويتحقق سلطان « البيان » قبل انقضاء خمس وستين سنة على ظهور « البيان » ( ظهر سنة 1263 ه‍ . ق ) . هذه هي ، بالإجمال ، الملابسات التي جعلت « الشيخ فضل الله نوري » ينفصل في سنة 1325 . في عهد « محمد علي شاه » عن رفيقيه « السيد عبد الله البهبهاني » و « السيد محمد الطباطبائي » والاعتزال في ناحية

--> ( 1 ) أطلق المسلحون من طلاب النظام النيابي على أنفسهم اسم « المجاهدون » . حتى الأرمن والكرج كانوا يسمونهم ويتسمون بهذا الاسم ، فيقال « المجاهدون الأرامنة » و « المجاهدون الكرج » إلخ ونحن نستعمل هذا الاسم حكاية . ( 2 ) السيد عبد الله البهبهاني اغتاله الارهابي القفقاسي » حيدر عمو أوغلي « وثلاثة آخرون من رفاقه ، في منزله بين صلاة المغرب والعشاء ، يوم الجمعة 8 رجب سنة 1328 واعتقل » حيدر « هذا ولكن » يفرم « سعى في إطلاقه ومنع محاكمته فاخلي سبيله ! ( 3 ) بعد مقتل « يفرم » لم يلبث حزب « الطاشناق » أن انحل وتلاشى وأخذ رجال « يفرم » يغادرون إيران شيئا فشيئا حتى لم يبق منهم أحد فيها .