حسن الأمين

141

مستدركات أعيان الشيعة

الدولة « . وتمادى هذا في جبروته وطغيانه . وتحرك خصومه بزعامة البهبهاني لمقاومته . ووقعت حوادث أخرى زادت في نقمة الناس على « عين الدولة » . منها وقوع عراك بين طلاب مدرستين من المدارس الدينية ، كان أصله اختلافا بين إمام الجمعة والبهبهاني . وجرح في هذا العراك بعض الطلاب فأمر « عين الدولة » باعتقال بعض الطلاب ( 1 ) فاعتقلوا ونفوا مصفدين إلى أردبيل . ورد « عين الدولة » شفاعة البهبهاني بهم على نحو مهين . وأحدث هذا العمل استياء عاما في نفوس الناس . وهكذا أعلن « عين الدولة » بعدائه لرجال الدين . وكانت هذه الحادثة ابتداء تصرفاته التي أثارت عليه الخواطر . واعتصم جماعة من التجار في مقام « عبد العظيم الحسني » ( رض ) مدة قليلة ، تعبيرا عن استيائهم منه . وفي شهر شعبان سنة 1323 . راجع السيد « عبد الله البهبهاني » فريقا من العلماء رجال الدين واقترح عليهم التعاون في القيام بحركة معارضة قوية للحكومة . وكان أكثرهم استجابة له « السيد محمد الطباطبائي » ، أحد مجتهدي طهران « ، وكان شديد التحمس في طلب الحرية ورفع الاستبداد . ولكنه نبه السيد البهبهاني إلى أن القضية ليست قضية استبدال أشخاص باشخاص ، بل يجب أن يكون الطلب أبعد من هذا ، وهو إنشاء « دار العدل » من ممثلين لمختلف الطبقات ، لتقوم بتحقيق الإنصاف ودفع الظلم والاستبداد . وتعاهد الرجلان على هذا الأمر على أن يكون الشعار المطالبة بعزل « عين الدولة » وإنشاء دار العدل . ومن ذلك الحين أعلن البهبهاني والطباطبائي ، ومعهما جماعة كبيرة من العلماء والخطباء بمعارضتهم للسلطة . وكثر الحديث على المنابر وفي المجالس عن الحرية والعدالة والقانون . وتحرك أنصار « أمين السلطان » كما اغتنمت السفارة الإنكليزية والسفارة العثمانية الفرصة ، يناصرون حركة المعارضة هذه ويؤيدونها بكل ما يقدرون عليه من مناصرة . فاما الإنكليز فلأن نفوذهم الاقتصادي والسياسي في إيران كان قد أخذ في التقلص من أواسط عهد « ناصر الدين شاه » إلى أن تلاشى تقريبا في عهد « مظفر الدين شاه » . وحل محله النفوذ الروسي . فأراد الإنكليز إضعاف الجهاز الحاكم والأسرة القاجارية إذ تمادوا في الاستسلام إلى الروس ، واكتساب مودة زعماء حركة المطالبة بالنظام النيابي ومن ورائهم أكثرية الإيرانيين الغالبة ، ومن ثم توجيه الحكم في إيران بما فيه مصلحتهم . وأما العثمانيون فناصروا الحركة للحط من قدرة الدولة الإيرانية باستهلاك هذه القدرة في المنازعات والانشقاقات الداخلية فيسهل على العثمانيين الاستيلاء على الأقاليم الحدودية المختلف عليها بين الدولتين . وكان تدخل الإنكليز ومساعدتهم بالقول وبالمال أمرا علنيا صريحا . وكان رئيس الجمارك في إيران بلجيكيا اسمه « نوز » استخدم في هذا العمل سنة 1316 . ومعه معاونون من البلجيكيين . وكان عميلا للروس ، أفاد اقتصادهم كثيرا في تعيين مقدار التعرفات الجمركية والعمل على تهيئة قروض منهم لإيران في مقابل امتيازات ، وأضر بالانكليز . وعثر السيد « عبد الله البهبهاني » على صورة ل « نوز » هذا وأحد معاونيه وهما في لباس رجال الدين الإيرانيين ، وكانا قد ارتديا هذا الزي في حفلة رقص تنكرية . فجعل السيد البهبهاني يعرض هذه الصورة من على المنابر على أنظار الناس فيهيج خواطرهم استنكارا لإهانة الدين ورجاله بهذا العمل ، ويذكر ما ألحقه « نوز » بالاقتصاد والايراني من أضرار ، فكان لبياناته أثر كبير في نفوس الناس ، وقامت مظاهرات مضادة ل « نوز » تطالب بعزله ( 2 ) في شهر المحرم سنة 1323 . وأرسل « السيد محمد الطباطبائي » رسائل إلى « مظفر الدين شاه » بين له فيها ما يحل بالناس من ظلم وفقر وانحطاط ، وناشده إنقاذ بلاده من هذا الشر . ولكن « عين الدولة » كان يمنع وصول هذه الرسائل إلى الشاه . واتفق أن غلا سعر السكر في تلك الأيام وانقطع وروده من روسيا بسبب حربها واليابان واحتكر التجار ما عندهم منه ووقع الناس في ضيق وشكوا أمرهم إلى « علاء الدولة » حاكم طهران . فأمر هذا بجلد ثلاثة من تجار السكر جلدا شديدا وأمر موظفيه بمصادرة ما عند التجار من السكر . فاستغل أيضا هذا الحادث واستياء التجار منه مخالفو الدولة . وأضرب السوق في اليوم الثاني ، يوم 14 شوال سنة 1323 . وتقاطر التجار إلى « مسجد الشاه » ، وهو من أكبر مساجد طهران ، وانضم إليهم فريق من العلماء ، وأعلنوا بصوت واحد مطالبتهم بعزل « علاء الدولة » حاكم طهران . ولكن الحكومة ازدادت عتوا وتمسكا بخطتها . فذهب « السيد عبد الله البهبهاني » وجماعة من العلماء إلى مقام « عبد العظيم الحسني » ( رض ) القائم في بلدة « الري » بظاهر طهران فتحصنوا فيه ، وصحبهم جمع كبير من الطلاب . وقام التجار بمظاهرات متصلة تأييدا لهم . وأضرب السوق . وما زال عدد المتحصنين يزداد يوما بعد يوم بمن يلحق بهم . وهناك دأبوا على مهاجمة السلطان الحكومية بخطب نارية وإثارة الخواطر بذكر أعمال « نوز » البلجيكي ومظالم موظفي الدولة . وكانوا يطلبون عزل حاكم طهران « علاء الدولة » وطرد « نوز » وإنشاء « دار العدل » ( 3 ) وثبت « عين الدولة » في موقفه لا يهادن ولا ينفك يهدد ويتوعد وأحيانا يعد ويطمع ، ولكن ذلك لم ينفعه بشيء . وأرسل إليهم « مظفر الدين شاه » مندوبا عنه يفاوضهم على المصالحة فلم يحصل على نتيجة ( 4 ) . وبعد انقضاء شهر على تحصنهم حصلوا من الشاه على جواب إيجابي فعادوا إلى طهران في 16 ذي القعدة سنة 1323 . وكانت عودتهم في العربات الملكية الخاصة بالشاه . واجتمعوا بالشاه و « عين الدولة » في أحد القصور الملكية . وزينت طهران لهذه المناسبة . وبادر الشاه إلى عزل « علاء الدولة » من حكومة طهران . ولم يلبث « نوز » أن استقال وعاد إلى بلاده .

--> ( 1 ) كان عدد الذين صدر الأمر باعتقالهم ثلاثة عشر طالبا . وقد تشاءم الجنود المأمورون باعتقالهم من هذا الرقم فاضافوا إليهم طالبا آخر بريئا لا ذنب له ليتخلصوا من الرقم المنحوس . ( 2 ) لا بد هنا من ذكر ما نبه إليه أحد المؤرخين ، وهو أن « نوز » مضى عليه ست سنوات في هذا المنصب ، إذ تولاه في أوائل صدارة « أمين السلطان » الثالثة . وفي كل هذه المدة كان يضر بالاقتصاد الإيراني وينفع الاقتصاد الروسي ، ومع ذلك لم يحرك أحد ممن ثاروا عليه اليوم ساكنا للاعتراض عليه ! هذا وقد استقال « نوز » من عمله بعد مدة قليلة من هذه الحوادث وعاد إلى بلاده . ( 3 ) عدالت خانه . ( 4 ) لما سمع « مظفر الدين شاه » أن ذلك الفريق من رجال الدين يطلب إنشاء « دار العدل » قال : السيد محمد والسيد عبد الله ورفاقهم الروحانيون يطلبون إنشاء دار العدل . ولكن دار العدل إذا أنشئت فسيكون أول أعمالها إلزامهم بيوتهم وإغلاق أبوابها عليهم