حسن الأمين
128
مستدركات أعيان الشيعة
معناه من غايته ، ولا يدرك بغايته إلا بأنه مزيج عقل وقلب ألف بينهما الحب ، فجاء امتحانا للمحنة في أوجها ، واستطلاعا للقوة بلغت النهاية من طاقتها ، لم يبق إلا أن تئول معجزة . فليس هو الحرص على الحياة لا ولا العجز عن تحمل المشاق ما حدا أبا طالب إلى قول ما قال ، بدءا واستدراكه آخرا ، ثم ما هو تخذيل لابن أخيه وقت في عضده لتحويله عن مقصده ، وإنما هي الأبوة الحادبة ، مع العصبية الغالبة ، في الشيخوخة المتقدمة تريغ الطمأنينة على المعجزة المرتقبة لا طاقة بحمل رسالتها لبشر إلا أن يكون فوق البشر ، ولا بد فيها من العون وان كانت ممتدة بأسباب من السماء . ان من يتدبر مواقف أبي طالب من الدعوة وما بذل من ذات نفسه وماله في سبيلها ، لا يسعه إلا أن يعترف له بجميل الفضل ورجاحة العقل ، فقد أبلى خير بلاء في المنافحة عن الرسول ( ص ) ، ولطالما كان سناده وعماده يرد عنه عوادي قريش ، ويأبى أن يسلم به ولو كانت في ذلك حياته ، ويعينه وينصره ويشد من أزره حتى كأنه أمينه في تحقيق دعوته كما كان هو رسول ربه في أداء رسالته . وما هو بالبدع بعد هذا إذا بكاه النبي ( ص ) بالثخين من عبراته عند وفاته ، واستشعر من حوله الفراغ لفقده ، ثم أجمع العزم على الهجرة إلى المدينة في عامه من حزنه . وما كان به ذلك لولا أن فقد من كان يصل جناحه ويؤثره بعطفه وعونه . وان أمرا هذا شانه ، وتلك مآتيه وماثره ، لحري والله بالمحمدة كفاء إحسانه ، لا بالغض من كرامته وتغليب الشبهات في حقه ، ثم هو حري بالا يعرف إلا بإسلامه وفاق ما عرف الإسلام من كريم بلائه في الذب عن حوزته ، وعظيم ولائه في نصرته . ومن يدري ما قد عسى يعترض الرسول ( ص ) لو عجل أبو طالب كغيره في كشف اللثام عن إسلامه والانضمام إلى القلة التي لاذت به مؤمنة بدعوته ؟ . . . أما كان من منطق الحوادث وطبيعة الحال أن يتورد النبي من البلاء فوق ما تورده ، وينزل به ما يباعد بينه وبين غايته ؟ فان قيل ما للدين ربا يحميه فعلا م لا تقول أن الله جلت حكمته هو الذي خص أبا طالب بهذه الحماية ؟ وان قيل أن أبا طالب ما كان له مثل موقفه من الدفاع عن ابن أخيه لولا عصبية القربى وطول الزمن في تبنيه حتى كأنه أحد بنيه ، فما بالنا لا نعكس الآية لنقول أن عوامل العصبية والتبني خليقة بان تجعله أول المؤمنين ؟ هذا ومما فات الباحثين أن ينتبهوا إليه من أدلة إسلام أبي طالب أن الحرب الكلامية كانت سجالا بين الإمام علي ع ومعاوية ، وقد نثل كلاهما ما في كنانته مما يغتمض الآخر ويغض منه ، ولقي ابن أبي سفيان من خصمه مثل المطارق تنديدا وتعريضا ، سواء بابيه الذي أسلم والسيف في محز عنقه ، أو بأمه آكلة الأكباد ومشوهة الأجساد ، وعلى ذلك لم نعثر فيما أورده معاوية من الردود ذودا عن نفسه وخفضا من شان خصمه على أي تعريض ، بل أي إشارة ، بل أي إيماءة ولو خفية مما يتصل بأبي طالب والد علي ، فلو صح أنه كان على غير الإسلام لما فات مثل معاوية أن يعرض لذكره ويعرض بكفره ، ويسقط عن نفسه اللائمة تبكيتا بابيه بمثلها عدلا عند أبي عاذلة ، فيستوي حسابهما واحدا ، وتستوي به الضربة عند أحدهما مرتدة على الآخر . وهنا نحب أن نسأل : ترى ما الذي يضير مثل علي ( ع ) وهو هو في كرامته وفخره من جلال قدره ، - تنقص أبيه بعدم إسلامه ؟ ما ذا يضيره وكل من اعتنق الإسلام كان إلى آباء وأجداد غارقين في سبات الجاهلية والوثنية ؟ أما أن الخطر لأقل مما يتصور ، وفضل علي لأكبر من أن يستصغر ، إذ كان المرء بهمته لا برمته ، كالورد هو من الشوك ولكنه باريجه ونضرته ، وكالسيف ينظر إلى مضائه وصليله لا إلى أنه من الحديد ، وكل امرئ بما كسب رهين . ونردف بسؤال آخر : فليس منا من لا يؤمن بصدق الرسول الأمين ( ص ) ، ولا يقطع بأمره حجة هي برهان نفسها ، فلو استوحيناه بروحه سؤالا عن عمه الذي حضنه ورباه ، وكفله ورعاه وذاد عنه وحماه : أترانا نستلهم الجواب إلا مؤيدا إسلامه ، موثقا إيمانه ، شاهدا بفضله ومكرما مثواه ؟ . . . أما وهو كذلك عند نبي المرسلين وأصدق الصادقين فهل من الرأي وحكمة القول أن نتكذبه نحن ؟ . . . ثم ما ذا نقول أيضا بمثل علي ( ع ) وقد اشتهر بالحق يدور معه حيثما دار ، لا يصانع ولا يوارب حتى في أحرج المواقف والمطالب حيث تقتضيه السياسة بعض الملاينة والمداهنة ، ما ذا نقول في شهادته وقد شهد لأبيه بأنه لفظ الشهادة وكان من المؤمنين . الشيخ عبد المولى الطريحي ابن الشيخ عبد الرسول . ولد في النجف سنة 1317 وتوفي فيها سنة 1395 . هو من أسرة عربية استوطن أجدادها الحلة ، والنجف . اشتهرت بالعلم ، والأدب ، والفضل . والتقوى . ترجع في نسبها إلى قبيلة بني أسد . وعرف من هذه الأسرة أجلة العلماء والأدباء والشعراء والباحثين ، خلال العصور القديمة والحديثة . وكان من أبرزهم في القرن الحادي عشر الهجري الشيخ ( فخر الدين الطريحي ) ( 979 ه - 1085 ه ) صاحب كتاب ( مجمع البحرين ) في اللغة وقد ترجمه أحد النجفيين في مجلة ( لغة العرب ) عام 1928 م . وأشار إلى أن الأسرة استوطنت ( النجف الأشرف ) في القرن السادس الهجري . وكانت لهم سدانة المشهد العلوي ، والولاية العامة في القرن الثامن الهجري ، وسكن جدهم الأقدم الشيخ ( داود الأسدي ) النجف الأشرف ، بعد نزوحه من ( الحلة ) ، في الجانب الشرقي من مرقد الإمام علي بن أبي طالب ع وهي محلة من ( جبل النور ) وتدعى اليوم ( محلة البراق ) ، وشيد فيها جامعا يسمى حتى الآن باسم ( جامع الطريحي ) « . درس المترجم على والده ، وجماعة بارزين من أهل العلم ، واللغة ، والفقه ، والأدب . في مدينته النجف . وحضر مجالس الثقافة والأدب في بلده . وساهم في أندية النجف الثقافية . ولما قامت ( جمعية الرابطة العلمية الأدبية ) ، التي تأسست سنة 1351 ه ( 1932 م ) . كان من أعضائها النشيطين . كما أنه دخل معترك الصحافة ، فاصدر مجلة تراثية ، أدبية تاريخية ، في النجف ، أسماها ( الحيرة ) سنة 1927 م . ولم تدم طويلا ، دخل بعدها مهنة التعليم ، واستمر يخدم طلاب العلم بثقافته ، وسعة اطلاعه ، وحسن معاشرته ، حتى أحيل على التقاعد . ولم ينقطع عن صلاته الفكرية الصحفية بالمراسلة والكتابة ، لأمهات المجلات العراقية والعربية . أمثال ( لغة العرب ) و ( الهاتف ) و ( الاعتدال ) و ( المرشد ) و ( النجف ) و ( الغري ) في العراق . و ( العرفان ) في لبنان . كما كانت له ملاحظات تاريخية وأدبية وشعرية ، لما كان يكتبه كبار المستشرقين في مجلة ( لغة العرب ) .