حسن الأمين

127

مستدركات أعيان الشيعة

مطلع أيامه ، لكذلك كفله أبو طالب بعد وفاته ولما يمض على كفالته غير العامين ، وما زال لابن أخيه راعيا ، ولدعوته مناصرا وداعيا ، يلف عليه ويحوفه ، ويتحمل المكاره في سبيله وخصومة الناس من حوله ، واقفا منه كالمجن يحميه من كل أذى يصل إليه ، إلى أن فارق دنياه وهو في الخامسة والثمانين أحوج ما تكون الدعوة الإسلامية إلى عونه ، وأشجى ما يكون الرسول لفقده وفقد زوجه خديجة من بعده ، وقد لحقت به لأيام معدودة ، أي قبل أن يهاجر ص إلى المدينة بثلاثة أعوام وأربعة أشهر . وكان في خلقه أبلج اللون ، متين الكاهل ، قوي الشكيمة ، عضب المهز . ومن خلائقه السخاء والوفاء والعفة والنخوة والشجاعة . ومن خصائصه أيضا أنه كان شاعرا حكيما مدح النبي ( ص ) بقصائد عدة ، وكانت له السقاية في مكة ، كما أن له ولقومه في الكعبة الباب وللناس الجدران والظهور . ولد له من الذكور أربعة هم : طالب وعقيل وجعفر وعلي . وكانت زوجه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف القرشي ، وقد أسلمت بعد عشر من المسلمين . بيد أن الروايات في إسلامه متضاربة ، ففريق على أنه مات غير مسلم ، وفريق على أنه لم يلفظ أنفاسه الأخيرة إلا والشهادة ملء فيه إيمانا بالله ورسوله ، وهو ما عليه الشيعة قاطبة ، لا تأخذهم فيه أي شبهة أو ريبة . وللفريقين قبائل من الرأي بين التأييد والإنكار ، والتدليل والتعليل ، بما لا يرتجع بغير الغموض والإبهام ، ثم الشك والحيرة ، والبعد عن مطلب الصواب في حقيقته ، والحقيقة في صوابها . وما أقبح العصبية إذ تنتهي من تعنتها والإصرار على عنادها إلى أن يغلب الهوى على العقل ، فإذا الممتحن بها كالأعمى ، إذا أفادته عصاه منعا من التسكع فما تفيده تبصرا بالطريق اللاحب القويم . والذي عندنا هو أن البحث في إسلام أبي طالب أو عدم إسلامه ، ما كان يستلزم ما استفرغ من مداد في سبيله ، ولا انهماك الأفكار فيه في مثل حرب مستعرة الأوار ، ثم قطع الوقت في غير مرتجع وتوسيع شقة الخلف في غير طائل ، فقد كان من سداد الرأي تعلقه من وجهته العامة حيث تكمن حقيقته ويستبين مقطع الحق ، لا أخذه بأضعف ما فيه فيؤدي إلى الحكم ضعيفا لا يخيل بالصواب إلا مثل ما يخيل إشراق الشمس حجبت عليها السحب ، فهي في مثل الغسق الفاحم . وان من شروط البحث في صحته أن تقدر النتائج بمساقها من سابقها ، فيحكم عليها بروح مما لابسها وأثر فيها ، لا أن تجعل هي الحكم الجزم ، ثم تعتنف الأسباب إليها اعتناقا لتورد غير موردها ، وتحمل كل معنى إلا معناها ، ويهول بأنها محط الصواب وهي الخطا الذي لا صواب فيه . فان أخذنا بهذه الخطة القويمة وإليها التجرد الفكري السليم ، لا يميل مع العاطفة المذهبية حيث تميل ، فما شك في أننا نقف من قضية إسلام أبي طالب الموقف الذي يدنينا من الصواب في واجب حكمه وحكم يقينه ، ويناى بنا عن مواطن الشبهات لا دليل يقطع فيها بالرأي الجازم ، حتى إذا بقي ثمة شيء من الشك مسحنا عليه بما يفرضه العقل ترجيحا هو الأصوب والأوجب . إننا نقطع بإسلام أبي طالب إذ كانت الأدلة على ذلك أقوى وأبين منها على خلافه . وهاك بادئ بدء الحجة التي يستمسك بها المنكرون وهي عدم إعلان إسلامه وإيمانه ، وهي أكبر حججهم ، تجدها أوهن من أن تنهض دليلا على أنه لم يكن مؤمنا ، إذ كان من شان الايمان أن يصح فيه الكتمان والإعلان على سواء ، وبخاصة فيما يتحرج به الدين ويستلزم التقية ضرورة من ضرر . وما أكثر ما نعتقده جزما ونؤمن به قطعا ثم نتعمد فيه الخفية والأسرار من غير أن يكون ثمة معنى للإنكار ، وما أكثر ما نصدر عن مات وأحوال لو أخذت على علاتها من ظاهرها لما ترجمت بمكنونها من مغيبها ، ولا حقيقتها من سببها ، فالمظاهر لا تنم أبدا عن الحقائق ، والحقائق تتلبس غير صورها حتى كأنها صورة هي بعينها . وليست العبرة إلا في الأثر يترجم عن الأصل كالكهرباء إذا لم نكتنهها بدليلها فان آثارها تدلنا عليها . وآثار أبي طالب في جملتها شاهد على إيمانه وصدق إسلامه ، تنفي عنه كل النفي أي تهمة بالشرك أو الكفر بدعوة الرسول والإسلام . وأنى له غير ذلك وهو الذي طالما اشتهر بالصدق في حياته لم يجرب عليه الكذب ، وعرف كذلك في ابن أخيه الصدق آمن ما يكون على قول الحق ، لا تأخذه فيه لومة لائم ، وليس في كل ما تقع عليه عينه ويصافح سمعه إلا ما يشير أبلغ إشارة إلى تمخص الزمن عن الحديث الجديد ، يطهر أرض الحجاز من أرجاس الجاهلية التي بلغت غايتها من الوثنية والعادات المستوخمة ، بعد إذ آن لليلها الطويل أن ينفرج عن الفجر المرتقب المبين . وإذا فسر عدم إعلانه الإسلام بظاهرة من معناه دون معانيه الأخرى من حمى ابن أخيه ونصرته والأخذ بيده ومحاسنة قريش في ذلك باعتبار أن الدعوة غضة أول عهدها وأن الأعداء والمناوءين ألب ضدها ، فكيف نفسر سماح أبي طالب لزوجه فاطمة بنت أسد بان تسارع إلى الإسلام ، ثم لابنه علي بان يسلم وهو ما يزال حدثا غض العود ، ثم لابنه جعفر بان يصل جناح ابن عمه في الصلاة على يساره ، ثم لبنيه وإخوته وبني عمه بان يرقدوا وهم في ( الشعب ) على فراش محمد تعمية على المشركين أن يصيبوه إذا ما حاولوا أذاه ؟ ! . فهل تراه فيما فعل غير الصادق في طويته على الايمان ، والصادق في إيمانه في الدعوة ، والصادق في عقيدته يترجمها ماثلة في عمله ؟ . . . وهل لمثله وهو شيخ قريش وسيدها وصاحب الرأي فيها أن ينحرف مخالفا أو ينفرد متعسفا وأنه ليرى حمزة يسارع إلى الانضواء تحت لواء النبي ، وكذلك عماته ، وإليهم آل عبد المطلب جميعا ، ومن ورائهم عبد مناف ، أيخرج على مثل هذه الإرادة المجتمعة والخطة الجامعة ليعود من نهاية الشوط الذي قطعه رفدا وعونا وتضحية إلى حيث يكذب نفسه ، ويكذب عشيرته ، ويكذب من أحبه وآثره حتى على بنيه ؟ وإذا نحن تدبرنا موقف أبي طالب حين جاءه سادات قريش وأشرافها ساخطين متوعدين يستعدونه على ربيبه وحبيبه بقولهم : « انا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا ، أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين » ، ثم خطابه لابن أخيه بقوله : « أي بني ، أبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق » ، ثم ما أجاب به النبي ساعتئذ مستعبرا : « يا عم ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته » ، ثم قول أبي طالب : « والله لن أسلمك أبدا » . . . قلنا إذا نحن تدبرنا هذا الموقف بحق معانيه وأبعدنا النظر في مطاويه ، إذن لخلصنا منه إلى حديث مبطن خفي قد استتر لشدة ما ظهر ، حديث بلفظه لا يستوي صحيحا بغير