حسن الأمين
115
مستدركات أعيان الشيعة
الجذب وقدروا أن القوة الجاذبة هي بنسبة طردية للمسافة . وقد عرف العرب قوانين ووسائل مضبوطة فيما يخص القوانين الميكانيكية ، فهم عرفوا المعادلة التي تربط بين السرعة والمسافة المقطوعة مع الزمن الذي في أثنائه قطعت تلك المسافة ، كما عرفوا قوانين مراكز الثقل ، والروافع وغيرهما . وعرفوا أن للهواء وزنا وذلك بالتأثير الذي يحدثه الهواء على وزن الأجسام . وفهموا فعل الشرقة وسببها ، ووضع الماء في أنابيب شعرية لها فتحة واحدة . واستعمل العرب الأريوميتر Areometer الذي ورثوه عن اليونانيين فحسنوه وقدروا بواسطته قياس حرارة الماء وذلك عند تقدير الكثافة التي هي بنسبة عكسية للحرارة . ووضعوا جدولا للأثقال النوعية لجميع الأجسام الصلبة والمائعة التي كانت معروفة لديهم . وعرفوا أيضا أن هنالك قوة جاذبة على جميع جزئيات الأجسام وهذه القوة هي التي تبين لنا صفة الأجسام ، وهذه نظرية جد مفيدة في التحليل الكيميائي وهي مفتاح لعديد من خفايا الطبيعة . يبرهن الكتاب على مقدار ما توصل إليه العلماء العرب من الدقة في صنع الموازين لقياس كثافة الأجسام حيث عرفوا بواسطتها الأحجار الكريمة وميزوها عن أشباهها وملوناتها مما يعجز عنه اليوم كثير من العلماء . السيد عبد الرحمن الكواكبي . مرت ترجمته في المجلد الثالث من ( المستدركات ) ، وقلنا هناك أن صاحب ( طبقات الاعلام ) يؤكد أن تشيع والده كان معروفا ، وأن من الطبيعي أن يرث التشيع عن والده . وذكرنا هناك أيضا أنه سليل أسرة شيعية معروفة التشيع منذ القدم ، وقد أصابها بسبب ذلك ما أصابها من النكبات ، وذكرنا تفاصيل إحدى تلك النكبات ، وقلنا أن الكواكبي كان كجمال الدين الأفغاني حكيما في كتمان تشيعه في عصر التعصبات الذهبية العمياء ، ولو أظهر تشيعه لاستغل ذلك في محاربته في دعوته الاصلاحية التحريرية . وقد عثرنا بعد ذلك على ما لا يدع شكا في تشيع السيد عبد الرحمن الكواكبي تشيعا عريقا أصيلا يربي عليه من يختصه من تلاميذه ومريديه الذين يطمئن إليهم ، وهذا الذي عثرنا عليه هو مقال للكاتب الحلبي سامي الكيالي نشره في الصفحة 118 من العدد 103 من مجلة العربي الصادر في ( يونيو 1967 ) ، وفيه عدا ذلك ما يحل لنا لغزا عجزنا كما عجز غيرنا عن حله وهو أن الشاعر عبد المسيح الأنطاكي كان - على نصرانيته - مولعا ولعا عجيبا بال البيت ومعجبا أعظم الاعجاب بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع ، حتى لقد نظم فيه ملحمة شعرية فريدة ، تتدفق حبا بأبي الحسن وتفيض حماسة له وإشادة به . ولقد كنا نعجب من ذلك ونتساءل من أين استقى هذا الشاعر معلوماته الغزيرة عن آل البيت لا سيما عن أمير المؤمنين ، هذه المعلومات التي جعلته يتفانى في حبهم ويندفع هذا الاندفاع بالاشادة بالإمام العظيم حتى ليقضي شطرا من حياته في نظم ملحمته التي بلغ عدد أبياتها 5595 بيتا بقافية واحدة ، فإذا بمقال الكيالي ينبئنا بان مصدر ذلك كله كان السيد عبد الرحمن الكواكبي الذي تتلمذ عليه الأنطاكي في حلب وفي مصر . وإليك الجزء المتعلق بهذا الموضوع من مقال الكيالي : قال سامي الكيالي متحدثا عن عبد المسيح الأنطاكي ( 1875 - 1922 م ) : أديب شاعر ليس له شهرة كبار الأدباء ولا فحول الشعراء وان حذا حذوهم وسار على نهجهم . تتلمذ على الرائد العربي الحر عبد الرحمن الكواكبي فاخذ عنه الكثير من مبادئه ونزعته العربية . نشا في حلب ، ثم هجرها إلى مصر ، وقام برحلات إلى الجزيرة العربية يتصل بامرائها وشيوخها فيمدحهم ويلقى منهم الرعاية والمال . وكلما ازدادوا عطاء ازداد مدحا وثناء . وفي سيرته الكثير من المفارقات لعل أظهرها تعلق هذا الأديب المسيحي بال البيت تعلقا حفزه أن ينظم ملحمة في الإمام علي رضوان الله عليه ، قاربت أبياتها الستة آلاف بيت مما لم يبلغه كبار الشعراء من غلاة التشيع . وقد عبر تعبيرا صادقا عن حبه لآل البيت ، وإيمانه العميق برسالة العرب التي نستمد عناصرها الأصيلة من مبادئ الإسلام . أديبنا الحلبي هذا يمت إلى الإغريق بنسب عريق ، فقد نزح أجداده من اليونان إلى أنطاكية فسكنوها مددا طويلة . ثم انتقلت عائلته إلى حلب سنة 1163 ه ، وما يزال أحفادها يعيشون إلى اليوم بين دمشق وحلب وبينهم الأساتذة والمحامون والتجار . ولد عبد المسيح سنة 1875 م فلم يكد يترعرع ويأخذ حظه من القراءة والكتابة حتى تعلق بالأدب العربي وأخذ يحفظ دواوين الشعر ، وقد وصف لنا نشأته بتجرد مطلق فقال : نشات في حلب الشهباء في وسط كله تعصب وجهل ، ومن حسن حظي أن بيتنا في حلب كان في شارع أكثر أهله عرب مسلمون يدعى « قسطل المشط » ، فكنت أجد من حسن معاملة العرب المسلمين لأهلي ورعايتهم لجوارنا غير ما كنت أسمع من النفرة منهم من أفواه عشرائي المسيحيين ، فشببت وأنا على غير رأيهم في هذه الأمة الكريمة . ثم عندما اتسعت مداركي ، صرت أعرف وأعتقد أن هؤلاء المسلمين العرب الذين يجاوروننا ونجاورهم هم شركاؤنا في الوطن ، ومشتركون معنا في منافعه ومضاره ، وفوق هذا أن بيننا وبينهم صلة قربى بلحم ودم . لأن المسلمين عندما دخلوا سورية كان أهلها مسيحيين ويهودا ومجوسا فأسلم منهم من أسلم وبقي على دينه من بقي . وربما انقسمت العائلة الواحدة إلى مسلمين وغير مسلمين . . وهكذا أصبحت متعصبا للعرب أعد نفسي واحدا منهم ، يسرني ما يسرهم ، ويسيئني ما يسيئهم ، وبصفتي واحدا منهم بات همي أن أعتني بمصلحتهم ، وتوفقت إلى أصدقاء منهم أهل علم وساسة متعصبين للعرب ، يرمون إلى استعادة مجدهم فتربيت على أيديهم وعلى رأسهم أستاذي المرحوم السيد عبد الرحمن الكواكبي الشهير .