حسن الأمين

116

مستدركات أعيان الشيعة

ولخدمة العرب أنشأت مجلتي « الشذور » في حلب سنة 1897 - 1898 م ، فحاربتني الحكومة ، فهجرت وطني وأتيت مصر وأنشات جريدتي « الشهباء » ، ثم حولتها إلى اسم « العمران » . وتبعني إلى دار هجرتي أستاذي الفيلسوف الكواكبي سنة 1899 م ، فلذت به ، وقضيت في صحبته كل المدة التي أقامها في مصر إلى أن استأثرت رحمة الله تعالى بنفسه الطاهرة في سنة 1902 فأخذت على عاتقي الضعيف استئناف الجهاد في سبيل العرب الذي كان يجاهده وأنا في خدمته ( 1 ) وفي مصر تفتحت مواهبه ورأى عالما ينعم بالحرية خلافا لما كان عليه وطنه الذي كان يئن من الجور الحميدي . ولا شك أن لاتصاله الوثيق بأستاذه الكواكبي وبالشيخ كامل الغزي ، ومن عرفهم من زعماء التفكير الحر في القاهرة - أثره في هذه الوجهة التي اتجه إليها - اتجاه عربي إسلامي يعيد للأمة العربية مكانتها وسؤددها بين الأمم ويختلف عن النهج العثماني الذي كانت تسير عليه بعض صحف مصر الكبرى التي كانت تجد في « الخلافة العثمانية » سندا لمصر ضد الاحتلال الانكليزي . ورأى في الجزيرة العربية التي لم تخضع لحكم أجنبي - رآها بيئة صالحة لتلعب نفس الدور الذي لعبه الأجداد الميامين في صدر الإسلام ، وكانت بعض المناطق لم ترتبط بمعاهدات فعلق على شيوخها وأمرائها وسلاطينها كبريات الآمال . . ومن أقواله بهذا الصدد : « كان للمسلمين ملك واسع امتد ظلاله على الثقلين ، وكانوا سادات الدنيا بغير جدال بهمم الأسلاف الأبطال وذكاء من نبغ منهم من أعاظم الرجال » . « وكان ذلك من معجزات الرسول والقرآن » . وبعد أن أشار إلى مراحل المجد والفتوحات ووضع المسلمين الذين فقدوا الملك الواسع وأضاعوا المجد والعلم قال : « وطمع الأوربيون باملاك المسلمين طمع القوى بالضعيف ، وتوجهوا باساليبهم السياسية واستعداداتهم القوية لمحاربة المسلمين حربا صليبية ، فملكوا أكثر بلاد المسلمين بالوسائل السلمية ، بين ملك صراح أو استعمار ، حتى لا يكاد يقع نظرك على بلد إسلامي الا وللأجنبي فيه نصيب ، إلا البلاد العربية ، سكن آل الرسول ص وأصحابه وأنصاره وقومه ، فهم وحدهم لم يخضعوا للذل الأجنبي ، ولم يجازفوا باستقلالهم ، ولا يجازف بالاستقلال إلا صغار النفوس الأنذال » . رحلته إلى جزيرة العرب حبه للعرب دفعه أن يقوم برحلة إلى جزيرة العرب ، فترك مصر وفيها أهله ومكتبه وأشغاله ، وسار متجولا في الأقطار العربية فزار عدن ولحج وحضرموت ومسقط ولينجه والبحرين والمحمرة والكويت ووقف على أبواب نجد والبصرة وبغداد ، وقد دون الشيء الكثير عن هذه الرحلة التي تركت في نفسه الكثير من الانطباعات وهزته الشمائل العربية فوصفها وصفا دقيقا بقصيدة طويلة منها قوله : وأمة خير ما تسمى به عرب إن رام تمجيدها يوما مسميها وأنفس حرة ما استعبدت وأبت أن تستذل لغير الله باريها وهمة تنشد العليا وتطلبها ما الدهر يقعدها عنها ويثنيها ويقول في الجزيرة العربية : مهامه أمحلت محلا وما خصبت الا بمن قد أقاموا في مواميها ما أنبتت شجرا ، ما أثمرت ثمرا لكن عقولا تناهت في تساميها هي الجزيرة لا أرض تحاكيها إذ كان مجد الأراضي في أهاليها سادت وصالت وأبقت من مفاخرها أو ابدا ليس كر الدهر ماحيها كانت لعمرك تأبى أن تعيش على هون وأن تتصافى مع مهينيها يثور ثائرها ان نال واحدها سوء وكان الذي يؤذيه يؤذيها فان يصح « وا نصيراه » رأى أسدا سلت لقهر أعاديه مواضيها تضامن بين أفراد القبيلة لا يبقى على الضيم فردا من مواليها رحلته إلى الجزيرة العربية تركت في نفسه ، كما قلت ، الكثير من الانطباعات وهزت مشاعره نظما ونثرا ، فدون الكثير عنها . هذا وقد ترك الأنطاكي عدة آثار منها كتاب « نيل الأماني في الدستور العثماني » و « النهضة الشرقية » وديوان « عرف الخزام » و « رحلة السلطان حسين في رياض البحرين » و « الرياض المزهرة بين الكويت والمحمرة » عدا مجلدات من مجلتيه « الشذور » و « العمران » . على أن أهم آثاره في نظرنا « القصيدة العلوية المباركة » وهي في 5595 بيتا تناولت سيرة الامام على وما جرى له مع الخلفاء الراشدين وملامح من الفتنة الكبرى ، وقد اعتبرها أولى القصائد التي ظهرت في الشعر العربي فكانت ، كما قال ، نسيجا وحده ما عرفت قصيدة عربية مثلها تناولت تاريخا أو قصة فجاءت عليها من أولها إلى آخرها بقافية واحدة ووزن واحد ، كما أنها أطول قصيدة في لغة العرب على الإطلاق . وقد قسمها إلى فصول جعل لكل فصل عنوانا يعين المطلع على إدراك مراميها واستقراء معانيها . وهي تقسم إلى قسمين أولهما تاريخ أمير المؤمنين منذ ولادته إلى أن امتدت إليه يد الشقي ابن ملجم ، والثاني خصه بمناقبه وفضائله وحكم أمير المؤمنين . وقد دعاها ملحمة ، وهي أقرب الأسماء إليها . وذيلها بحواش كانت تاريخا صميما لصدر الإسلام . وبلغت مع شروحها ستمائة صفحة من كتاب متوسط الحجم . وهي وأن لم تبلغ مبلغ الشعر الجيد إلا أنها تنم عن قريحة وقادة ولا سيما والموضوع إسلامي تاريخي معضل أقحم الناظم نفسه فيه حتى جاءت فريدة في بابها تصور البطولات في أروع مظاهرها . . . وحين أطلق على قصيدته « ملحمة » أراد المعنى اللغوي وقال : « أما لفظة » ملحمة « التي أطلقها على هذه القصيدة المباركة أتباعا للمغاربة ، فمعناها اللغوي » الوقعة العظيمة « ولعلها مأخوذة من قولهم التحم القوم للقتال ، أي اشتبك بعضهم ببعض ، أو ربما قصد المغاربة باسم » الملحمة « الذي أطلقوه على القصائد التي لا ذكر فيها للقتال أيضا » الأحكام « من قولهم لحم الأمر أي أحكمه . ويصح أن نقول أن لفظة » الملحمة « مشتقة من قولهم ألحم فلان الشعر وحاكه ، أي نظمه ، وذلك

--> ( 1 ) القصيدة العلوية ص 37 .