حسن الأمين

11

مستدركات أعيان الشيعة

النقي ، متفرغا لعمله لا يشغل باله بعرض الدنيا وزينتها . ثم أنه كان عفيف النفس ورعا تقيا مخلصا لربه ولمهنته زاهدا في المال ، كما يتضح من كتاباته . ولهذا كله مغزى خاص سنورده فيما بعد . ونحن نؤيد ما نقول بفقرات من كتاب الفوائد مثل قوله : وينبغي أنك إذا ركبت البحر تلزم الطهارة فإنك في السفينة ضيف من أضياف الباري عز وجل فلا تغفل عن ذكره ) . على أن عدم تقيد ابن ماجد بالوزن والقافية في شعره أو بقواعد الاعراب لا يعنى بحال من الأحوال أنه كان قليل الحظ من الثقافة ، فهو رجل بحر مجرب موهوب خبير بالنجوم وبمسالك الملاحة وبالبحر وعواصفه وأنوائه وتقلب أحواله ، مشغول بقياساته الفلكية وتجاربه التي أنفق فيها عمره . ثم يجب ألا ننسى أنه ربان يخاطب أهل فنه ومهنته بلغة المهنة ، كما يجب ألا ننسى أيضا أن العصر الذي عاش فيه كان عصر اضمحلال أدبي أفقد فيه السجع المفتعل كثيرا من بهجة اللغة والتعبير . وبهذه المناسبة يرى بعض المستشرقين أن كتابات ابن ماجد صعبة شاقة كالرموز تحتاج إلى مفاتيح لحلها ، وهم يقصدون بذلك بالطبع أراجيزه التي ضمنها قياساته الفلكية وتعبيراته الملاحية ولهم عذرهم في ذلك . والواقع أن دراسة ابن ماجد دراسة مجدية تحتاج إلى إلمام بالكثير من فنون الملاحة والبحر ، كما أنها تحتاج في نفس الوقت إلى معرفة بأصول مثل هذه الكلمات والمصطلحات التي استعملها واشتقاقها من اللغات الفارسية والهندية والسواحلية وغيرها ، وقد يسر هذا الأمر الأخير للباحثين تلك الدراسات القيمة التي أجراها جبرييل فران ( 1 ) أثناء إقامته الطويلة في مدغشقر وجاوا وجزر الكومور وغيرها من جزر المحيط الهندي . ثم إن دراسة ابن ماجد تحتاج أيضا إلى تحقيق لمواقع الأمكنة والبلدان التي ورد ذكرها في كتاباته ، وعلى سبيل المثال عندما يتكلم عن « جوزرات » فإنما يعني « كجرات » بالهند ، وإلى معرفة أيضا بآلات الملاحة وأدواتها التي كانت مستعملة في وقته وكذلك إلى معرفة أسماء النجوم التي رصدها ومدلولاتها الحديثة . وتدل كتاباته على اطلاع واسع وإلمام بكتب وآثار من سبقوه ليس فقط بالنسبة لمؤلفات الجغرافيا الفلكية والجغرافيا الرياضية بل أيضا بالنسبة لكتب الأدب والأشعار . فهو يستشهد في كتاب « الفوائد » مثلا بأبيات من معلقات امرئ القيس وعمرو بن كلثوم والمهلهل ابن أبي ربيعة من شعراء الجاهلية وكذلك بأبيات من عمر ابن أبي ربيعة والطغرائي وأبي نواس وغيرهم . وفي موضع آخر من كتاب « الفوائد » يعدد كتبا متخصصة يجدر « بمعاملة البحر » قراءتها فيقول « بل أنا نقول للمعالمة ونعرف الغافلين منهم وندلهم على الكتب الكبار التي لم تتم صنعتهم إلا بها مثل كتاب المباديء والغايات تصنيف رجل مغربي من أهل مراكش ومثل كتاب التصاوير فان فيه جميع الكواكب بصورهن وممرهن وبعدهن ودرجاتهن وطولهن وعرضهن وكذلك في كتاب تقويم البلدان وفي الاختصار الشحبتية ( ؟ ) وزيج الفتيك بن شارخ بن تمرلنج ( 2 ) . . وكان بليغا في علم الفلك عمدة جميع العجم . وفي هذا الفن ( أيضا ) كتاب المجسطي لبطليموس وهو كتاب يوناني عرب منه المأمون بن هارون بعض أجزائه . ومن كتب هذا الفن كتاب البتاني وزيج ابن الشاطر المصري وعليه أكثر كلم الديار المصرية ، وكتاب أبو حنيفة الدينوري وكتاب الطوسي وكتاب أبو المجد إسماعيل بن إبراهيم الموصلي ويسمى مزيل الاشتباه عن مشتبه الأنساب وكتاب المشترك لياقوت الحموي وكتاب ابن سعيد وكتاب ابن حوقل فإنه مستوفي العرض والطول والدرج والبلدان والجبال والمدن والبحيرات والأنهار . . فانى وقفت على أكثر مما ذكرت « . ونحن نميل إلى الاعتقاد بان ابن ماجد كان ملما بلغة الهند السنسكريتية وبلغة فارس وبلغة ساحل الزنج وربما بلغة جاوة كذلك لاختلاطه بمعالمة من هذه البلاد وطول إقامته بينهم ولاستخدامه في كتاباته كثيرا من المصطلحات المشتقة من تلك اللغات وبخاصة من الفارسية التي يستشهد منها ببيت للفردوسي في كتاب الفوائد ثم يعربه بقوله : خف من الله ولا تؤذ أحد هذا طريق الحق لا تخش أحد وهو ان كان قد نشا في جلفار في عمان ، إلا أنه كان دائم التنقل بين الساحل الإفريقي والعربي وللمحيط الهندي ، ولربما قضى في البحر أكثر مما قضى على البر من عمره . على أن ابن ماجد على الرغم من ذلك كان شديد الثقة بنفسه دائم الاعتداد بعلمه عن يقين ، ويتضح ذلك في مواضع كثيرة من مؤلفاته المنظومة والمنثورة ، ولطالما نعت نفسه بأنه « رابع الليوث » أو « رابع ثلاثة » من جهابذة هذا العلم ولكنه يستكثر على نفسه أن يسبقه هؤلاء فيستدرك بقوله ونهاية المتقدم بداية المتأخر ، وقد عظمنا علمهم وتأليفهم وجللنا قدرهم - رحمة الله عليهم - بقولنا أنا رابع الثلاثة ، وربما في العلم الذي اخترعناه في البحر ورقة واحدة تقيم في البلاغة والصحة والفائدة والهداية والدلالة بأكثر مما صنفوه « . وكأنه رحمة الله عليه ، كان عليما حين اختتم قصيدته المسماة ( ضريبة الضرائب ) بقوله : فان تجهلوا قدري حياتي فإنما سيأتي رجال بعدكم يعرفوا قدري وقد تحققت نبوءته بعد نصف قرن من موته تقريبا على يد [ الأميرال ] الأدميرال التركي « سيدي علي كاتب رومي » كما سيرد ذكره ثم مرة أخرى في القرن العشرين على أيدي العلماء من المستعربين من روسيا من أمثال كراتشكوفسكي وشوموفسكي ومن فرنسا من أمثال فران ومن سويسرا من أمثال ديسوسير وغيرهم ممن أجهدوا أنفسهم في التعرف عليه ودراسة مؤلفاته . ناهيك بملاحي الشراع من أهل عدن أيها الشيخ الذين يقرؤن لك الفاتحة كل يوم كلما خرجوا إلى عرض البحر ( 3 ) ولا ترجع شهرة ابن ماجد إلى كونه ملاحا قديرا فحسب ، لا يزال أهل عدن يقرؤن له الفاتحة كل يوم ، ولا إلى مؤلفاته الغزيرة في علوم البحار والملاحة التي لم تكتشف إلا في القرن العشرين ، وإنما اكتسب هذا الملاح

--> ( 1 ) انظر : - G . Ferrand : Relations des voyages et textes geogr . arabes etc . ; reIatifs a lex treme orient du VIII au XVIII siecIes ; Paris . في جزءين ( 2 ) يقصد » زيج الغبيك « لاولوج بيك بن تيمور لنك وربما كان هذا التحريف في الأصل من الناسخ . ( 3 ) يقرر ذلك الرحالة الانكليزي رينشارد بيرتون في كتابه « السبيل إلى إفريقيا واستكشاف هرر » طبعة لندن عام 1856 م عن رؤيته لبحارة عدن يقرؤن الفاتحة للشيخ ماجد « مخترع البوصلة البحرية » .