حسن الأمين

12

مستدركات أعيان الشيعة

فضلا عن ذلك ، شهرة دولية حين ثبت أنه هو نفسه الربان الذي قاد سفينة فاسكودي گاما البرتغالي من ساحل إفريقيا الشرقي إلى الهند لأول مرة في عام 1498 م . ولقد استغرق هذا الموضوع جانبا كبيرا من اهتمام المؤرخين والمحققين الأجانب في عصرنا الحاضر ، وأخيرا أقرت حكومة البرتغال بهذا الفضل للملاح العربي فأقامت له في ميناء ملندي في كينيا نصبا تذكاريا يخلد هذه الواقعة . ولما لهذه القصة من طرافة فإننا نوردها هنا ببعض التفصيل . يرجع أول عهد البرتغال بجنوب إفريقيا ثم بالمحيط الهندي بعد ذلك لعام 1487 - 1488 م أي قبل دي جاما بعشر سنوات تماما حين نجح ربانهم المسمى برتليمو دياز في اجتياز رأس العواصف ( رأس الرجاء الصالح ) في ديسمبر عام 1488 م مستعينا طول الوقت بالملاحة الساحلية . فالقول إذن بان ابن ماجد قد دار باسطول دي جاما حول رأس الرجاء الصالح كما يتبادر إلى ذهن العامة لأول مرة مردود من أساسه إذ أن أي ملاح ماهر يستطيع أن يدور حول هذه الرأس محتصنا الساحل طول الوقت . والأصعب من ذلك والأهم أن يحاول ملاح أن يصل إلى الهند من ساحل إفريقيا الشرقي مجتازا محيطا مجهولا له تماما دون أن يرشده خبير بأصول الملاحة في هذا الحيط . . ومن ثم لم يجرؤ فاسكودي گاما أن يفعل ذلك وحده ومكث أسابيع على الساحل الشرقي لإفريقيا في انتظار هذا الملاح الذي يرجح البعض أنه لم يكن سوى ابن ماجد كما سنعرف عما قليل . وجدير بالذكر أن البرتغال كانوا يسعون للوصول إلى الهند لاحتكار تجارة التوابل كما هو معروف ، بيد أنهم لم يفصحوا عن غرضهم بادئ الأمر . وقد تمت رحلة دي گاما إلى الهند في أول عهد الملك مانويل الثاني الذي حكم البرتغال بين سنوات ( 1495 - 1521 م ) . أما دي گاما نفسه فقد ولد في عام 1460 م وقام برحلته الأولى إلى الهند بين أعوام 1497 - 1499 م أي وهو في سن السابعة والثلاثين وكان رجلا متوسط الذكاء والتعليم ولكنه يتميز بعزيمة قوية . أما أسطوله فكان يتكون من ثلاث سفن من نوع عرف باسم « كرافل » Caravelle وكان العرب يطلقون على مثل هذه السفن باسم « غراب » ( 1 ) أما هذه السفن فقد كانت تحمل أسماء قديسين فسفينة القيادة التي كان عليها دي جاما سميت باسم « سان جبرائيل » . وتولى شقيق دي جاما ويدعى بولو قيادة السفينة « سان رافائيل » وقد غرق هذا المركب بين كلوة وممباسا حين عودة الحملة من الهند ، كما تولى نقولا كولخا قيادة القطعة الثالثة من الأسطول وهي السفينة « بريو » أو « سان ميجيل » . واصطحب دي جاما معه على هذه السفن الثلاثة 150 من البحارة وبدأ الرحلة من البرتغال في يوم 25 مارس سنة 1497 م بعد أن قضى ليلته يتعبد . وصل دي گاما إلى رأس العواصف في جنوب إفريقيا يوم 22 نوفمبر سنة 1497 ثم إلى ساحل ( ناتال ) يوم عد الميلاد وسميت الأرض بهذا الاسم تيمنا بميلاد المسيح . وفي يناير عام 1498 فقد دي گاما السفينة ( بريو ) على الساحل الإفريقي الشرقي نتيجة العواصف ، وحمل بحارتها على السفينتين الأخريين . ثم أنه واصل سيره شمالا بعد ذلك على الساحل حتى بلغ ثغر ملندي في كامبايا ( كينيا الآن ) على خط عرض 03 جنوب خط الاستواء . وذلك في شهر مارس من نفس السنة . وهنالك ألقى مراسيه في ذلك الثغر لأسبوعين أو أكثر يتقصى الأخبار عن الهند ويبحث عن مرشد يقوده إليها . وفي قوله أن سلطان البلاد وقد تصادق معه فاسكودي گاما وغمره بالهدايا هو الذي أرسل في طلب الملاح العربي وكلفه بإرشاد سفينة البرتغال إلى الهند فأوصله الأخير إلى كلكتا في أواخر أبريل عام 1498 م ( 2 ) ومن المعروف أن فاسكودي گاما نفسه لم يترك لرحلته مذكرات بخط يده ، وقد أرخ لهذه الرحلة الكتاب البرتغاليون القدامى من أمثال لوبيز كاستنهيدا عام 1554 م . 1554 , F . L . Castenheda : Historia do descobrimento ecoquista da India - pelos Portugueze . ودي باروش عام 1553 م . 1553 , joao de Barros : Da Asia ويلاحظ أن الطبعات الأولى لهذه الكتب تمت بعد الرحلة بنحو نصف قرن تقريبا مما أدى إلى اختلاف الروايات حول اسم الملاح الذي أرشد فاسكودي گاما إلى الهند ، فمن المؤرخين من قال أنه « المعلم كانا » Cana Malem أو Mullemo المسلم من جوزرات ومنهم من قال أنه المعلم كاناكا Canaque وجدير بالذكر أن لفظ معلم وجمعه « معالمة » كان هو الاصطلاح الملاحي المرادف للربان أو القبطان أما لفظ « كانا » أو « كاناكا » فيعني بلغة السنسكريت ( الحاسب ) أو ( المنجم ) والمقصود به هنا الخبير بالملاحة الفلكية . ومن أقوال ملاحي المحيط الهندي المسلمين المأثورة في ذلك الوقت : أن المعلم كالإمام كلاهما عاهد الله على القيادة فكما لا يستطيع الأخير ترك الصلاة فان المعلم لا يستطيع أن يترك سفينته . ويرجع الفضل في الواقع في التعرف على أن ابن ماجد كان هو المرشد الذي قاد أسطول دي گاما إلى الهند إلى جهود المستشرق الألمعي جبرييل فران عام 1922 كما ذكرنا من قبل . ( 307 - 289 . P 31 G . Ferrand : Le piIote arabe de Vasco do Gama au XV siele . Annales de geographie . tom ) . وقد اهتدى « فران » إلى المصدر الأصلي الذي ورد فيه ذكر ابن ماجد صراحة وذلك في مخطوط لقطب الدين النهروالي بعنوان « البرق اليماني في الفتح العثماني » ( 3 ) ليرجع تاريخ تاليفه إلى عام 1577 م وتوجد النسخة الثانية المتداولة من هذا المخطوط في الخزانة التيمورية بالقاهرة وقد أطلعنا عليها ونحن نورد هنا مقالة النهروالي عن هذا الملاح تحت باب ( في ذكر انتقال الدولة باليمن من بني طاهر إلى الأمير حسين من الجراكسة ) ( وقع في أول القرن العاشر ( الهجري ) من الحوادث الفوادح النوادر دخول الفرتقال اللعين من طايفة الفرنج الملاعين إلى ديار الهند وكانت طائفة منهم يركبون زقاق سبته ( مضيق جبل طارق ) في البحر ويلجون في الظلمات ويمرون خلف جبال القمر بضم القاف وسكون الميم جمع أقمر أي أبيض وهي مادة أصل بحر النيل ويصلون إلى المشرق ويمرون بموضع قريب من الساحل عند مضيق على أحد جانبيه جبل والجانب الثاني بحر الظلمات في مكان كثير الأمواج لا تستقر به سفاينهم وتنكسر ولا ينجو منهم أحد واستمروا على ذلك مدة وهم يهلكون

--> ( 1 ) قال ابن جحلة وهو من شعراء القرن الثامن الهجري : غربانها سود وبيض قلوعها يصفر منهن العدو الأزرق . ( 2 ) في رواية أخرى أن فاسكودي گاما أبحر من ملندي في 6 أغسطس سنة 1498 ووصل قاليقوط في 26 أغسطس سنة 1498 . ( 3 ) طبعته « دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر » وهو الحلقة ال 6 من سلسلة : ( نصوص وأبحاث تاريخية وجغرافية عن جزيرة العرب ) .