حسن الأمين

97

مستدركات أعيان الشيعة

يا ليتني عندما حم الحمام ، كما قاسمتها كبدي ، قاسمتها عمري فان تكن زهرة من روضها قطفت فقلما تمتع الأيام بالزهر وإن تكن درة من سلكها خطفت فالدهر أدرى بما يسبي من الدرر يا قلب صبرا على ما قد فجعت به فلست في دفع مقدور بمقتدر لا تبك فقد حبيب أنت تابعه إذا مضى البعض فالباقي على الأثر ! وفي رثاء ابنه محمد يقول : ذهبت ذهاب الصبر عني مكرها فوا أسفي ألا لقاء إلى الحشر فان كنت نجما راغ منه أفوله فما لك لا تبدو مع الأنجم الزهر وإن كنت زهرا جف إذ أخلف الحيا فما لك لا تحيى ودمعي كالقطر محمد ما أشجى فراقك لوعة محمد ما أدهى مصابك من أمر محمد في قلبي محمد في فمي لئن غاب عن عيني فما غاب عن فكري وفي رثاء الأمير النصري محمد - التي بعث بها إلى الأمير الجديد من بلده رندة - جمع الشاعر إلى رثائه المديح ، فهي قصيدة محبوكة الطرفين بالغرضين ، العزاء بالمتوفى والاستقبال للحاكم الجديد : يا حسرة الدين والدنيا على ملك قد كان حسبهما لو مد في الأجل أصابه من وراء الحجب صائبة إن المنون لأرمى من بني ثعل وزاول الملك دهرا ثم فارقه وزال عنه وذاك الفخر لم يزل ومنها : أصبحت فينا على حكم الردى خبرا فكنت كالضيف أو كالطيف والمثل كان وجهك لم يشرق لناظره كالبدر في السعد أو كالشمس في الحمل كان كفك لم تبسط لآملها يوما ولا عرضت للجود والقبل أغراض أخرى شارك الرندي في أغراض شعرية أخرى ، مشاركة جانبية ، لم تكن من أصل اهتماماته ، كالحكمة والهجاء : إذا كان أمر الله للمرء طالبا فقد هان مطلوب وقد عز طالب ألا إنما الدنيا خيال وأهلها بها عرض والدهر بالكل لاعب . . . ألا أيها البطال كم أنت غافل كأنك عن هذي المشارب غائب ألا فانظر الدنيا بعين بصيرة فللترك يا مغرور ما أنت كاسب ألم تر أن الموت أكبر شاهد على أنه لا يغلب الله غالب وهو يركز على زوال العز عمن يظن الناس دوام العز لهم كالملوك وأضرابهم ، ويضرب الأمثال بهم : أين الملوك وأبناء الملوك وما شادوه من أثر شدوه بالأثر وأين ما حجبوه في مقاصرهم من أوجه زهر كالأنجم الزهر . . . وله أبيات قليلة أوردها في معرض حديثه عن غرض الهجاء لا تجعله من أهل هذا الباب ، وإنما هي المناسبة العارضة أو المشاركة في الدعابة العابثة ، ولم نعرف في ترجمته وأخباره ما يدل على خصومات له ظاهرة أو عداوات أكيدة ، بل غلب على صورته لدينا الفضل والأناة ورجاحة العقل . ومن هجائه الذي أورده لنفسه في أثناء استعراضه لأشعارهم في الثقلاء قوله : تزلزلت الأرض زلزالها فقلت لسكانها ما لها ؟ فقالوا أتانا أبو خالد فأخرجت الأرض أثقالها ! والهجاء من أقل أغراض الشاعر ، ولا نظنه غرضا أكثرت به في حياته . الجهاديات وشعر رثاء البلاد الإسلامية المغلوبة : 1 - ظهر في الأندلس ضرب من الشعر - والنثر أيضا - كان صدى مباشرا ، وغير مباشر ، لأحداث الحرب الدائرة بين المسلمين في الأندلس وخصومهم من الدول الإسبانية . وهو أدب يهدف إلى تصوير نكبة الأندلسيين بفقدان أجزاء من بلادهم ، وتحريض القوم على الصمود ومواصلة القتال ، وهو يدعو المسلمين من بر العدوة وما وراءه لانقاذ الأندلس ، والمشاركة في الجهاد المفروض . وقد تجتمع هذه العناصر في القصيدة الواحدة ، أو يكتفى ببعضها . وجذور هذا الضرب من الشعر قديمة قدم حركة الاستغلاب نفسها ، ولكنه صار غرضا بارزا منذ عهد الفرق ( الطوائف ) التي انتشرت حمى دويلاتها في الأندلس في القرن الخامس الهجري حيث اشتدت عليهم وطأة حركة الاستغلاب وسقطت مدينة طيطلة المنيعة . ووجد المفكرون والمثقفون والمخلصون من أهل الأندلس أنفسهم في موقف المسؤولية ، فهبوا من علماء وفقهاء وأدباء ومخلصين للقضية يشاركون في الحملة المضادة قولا وعملا . وكثر التحذير من أخطار التفرق ، والاستنامة عن الجهاد ، ومغبة التخاذل والتقاعس . وبرز التحريض على الجهاد والقتال وحمل السلاح لاسترداد ما ضاع والدفاع عما بقي . واتخذ الأدب المتعلق بهذا الغرض اتجاهين كبيرين ( تتفرع منهما أمور كثيرة ) هما : 1 - الدعوة إلى الجهاد ، ومواصلة الكفاح . 2 - بكاء ما ضاع من بلاد المسلمين . وزاد هذا الغرض نشاطا واشتعالا عدد من الأسباب المتضافرة المتداخلة . فمنها تقلص ظل الرقعة الأندلسية ، بعد ضعف الموحدين ، شيئا فشيئا . وإحساس الأندلسي أن الدائرة المحيطة به تضيق وتختنق ، وشكل حرب الاستغلاب وطابعها المشابه لما كان في المشرق آنذاك .