حسن الأمين

98

مستدركات أعيان الشيعة

ومنها القسوة العارمة والعدوان الطاغي على الناس ، على اختلاف أعمارهم وأنواعهم . ومنها عدم احترام المواثيق - على الأغلب - وقلب معطيات الثقافة الإسلامية . ومنها روح الاستشهاد التي كانت تضج في صدور الأندلسيين ، وتنفجر في صدور العلماء والفقهاء وذوي المكانة من رجال الأندلس . ومنها ارتباط الأندلسي بأرضه ارتباطا قويا ، وشعوره بالواجب الجهادي الملقى على عاتقه . 2 ) ويقف الدارس على تيارات ثلاثة من شعر رثاء البلدان في الأندلس . أحدهما رثاء المدن الضائعة مما سقط في يد العدو ، والتيار الثاني رثاء الدول الأندلسية الزائلة في أثناء الحكم العربي الإسلامي للأندلس ، وأشهر تلك الدول التي رثاها الشعراء دولة بني عباد أصحاب إشبيلية ، ودولة بني الأفطس أصحاب بطليوس . والتيار الثالث هو شعر رثاء المدن التي كانت عامرة فخربت بظروف سياسية أو اجتماعية كالشعر المقول في خراب قرطبة بعد الفتنة البربرية ، وخراب إلبيرة بعد هجر أهلها لها ونبوغ مدينة غرناطة . ويتوجه الذهن عند الحديث عن رثاء الأندلس إلى أصحاب التيار الأول من الشعراء ، لأنهم هم الأكثر عددا ، والأشهر شعرا ، وشعرهم هو المقصود بالدرجة الأولى . 3 ) كان الحديث عن الحروب بين الأندلسيين وخصومهم يقع في أثناء قصائد المديح كما نجد ذلك بوضوح في ديوان ابن دراج القسطلي الذي سجل حروب الحاجب المنصور تسجيلا رائعا . ويبدأ تيار رثاء المدن والحصون الضائعة عنيفا غزيرا منذ سقوط طليطلة سنة 479 ه‍ . ومما بقي من أشعارهم في ذلك أبيات لابن العسال الزاهد ، وقصيدة مطولة لشاعر مجهول أوردها المقري في نفح الطيب ، منها : لثكلك كيف تبتسم الثغور سرورا بعد ما سبيت ثغور طليطلة أباح الكفر منها حماها إن ذا نبا كبير فليس مثالها إيوان كسرى ولا منها الخورنق والسدير ووقف الشعراء عند نكبة بلنسية وشرق الأندلس حين سقطت في يد السيد كما صنع ابن خفاجة ( 1 ) في أواخر القرن الخامس . ثم استراح الأندلسيون إلى عهد القوة والتمكن في أيام المرابطين ، وصدرا من دولة الموحدين ، فلما تهافتت قوة هؤلاء ثم تهاوت دولتهم بدأ عهد استغلاب إسباني - برتغالي جديد عارم ، فعاد غرض الجهاديات ورثاء المدن الأندلسية غزيرا نشيطا ، وقام الأدب بدوره وأدى الأدباء مهمتهم . ويبرز في هذه المدة أبو البقاء الرندي ، وابن سهل الإشبيلي ، وابن الأبار ، وأبو المطرف بن عميرة المخزومي وغيرهم . وفي ديوان ابن سهل الإشبيلي قصيدة أنشأها بطلب من أمير إشبيلية أبي عبد الله الموحدي لحث عرب المعقل على القدوم إلى الأندلس من شمال إفريقية والجهاد فيها ، منها : وردا فمضمون نجاح المصدر هي عزة الدنيا وفوز المحشر نادى الجهاد بكم لنصر مضمر يبدو لكم بين العتاق الضمر أنتم أحق بنصر دين نبيكم وبكم تمهد في قديم الأعصر واستنجد ابن مردنيش بالأمير الحفصي صاحب تونس ، وبعث كاتبه ووزيره ابن الأبار ، فأنشد قصيدة في مدحه والاستنجاد به ، واستنفاره للجهاد ، منها : أدرك بخيلك خيل الله أندلسا إن السبيل إلى منجاتها درسا وهب لها من [ عزير ] عزيز النصر ما التمست فلم يزل منك عز النصر ملتمسا وشهد ابن عميرة المخزومي سقوط بلنسية وجزيرة شقر ، ومدن الشرق الأندلسي سقوطا نهائيا ، فذكر ذلك في شعره وكرر التأسف ، والتحسر ، واستنهاض الهم . فمن شعره في سقوط بلنسية : ما بال دمعك لا يني مدراره أم ما لقلبك لا يقر قراره . . . بحر من الأحزان عب عبابه وارتج ما بين الحشا زخاره في كل قلب منه وجد عنده أسف طويل ليس تخبو ناره أما بلنسية فمثوى كافر حفت به في عقرها كفاره والشعراء كثر ، والشعر غزير . 4 ) كان الرندي واحدا من أدباء القرن السابع ، وشهد تهاوي المجد الأندلسي منذ بدايات هذا القرن . وتأثر كما تأثر معاصروه من الأدباء والشعراء . ونحن نعرف له قصيدته المطولة : ( لكل شيء إذا ما تم نقصان ) ومن المحتمل أن يكون في شعره الضائع قصائد أخرى في الغرض . ونقل القصيدة - المقري في كتابيه أزهار الرياض ، ونفح الطيب . وذكر أن زيادات قد طرأت على القصيدة - بعد سقوط الأندلس نهائيا - ليست من أصلها . ويسلم للرندي ثلاثة وأربعون بيتا رواها أيضا في الذخيرة السنية . وتعد قصيدة الرندي من أشهر قصائد الأندلسيين في الجهاديات ورثاء المدن الأندلسية الضائعة لما فيها من صدق الانفعال ، وحرارة التعبير ، ولأنه استطاع بوصفه الدامي للحوادث الجارية على الأندلسيين أن يحرك العواطف ويشد الانتباه . وهو - بعد - استطاع أن يضع قضية الأندلس في إطارها ، حين جعل مصيبة أي جزء من أجزاء الأمة مصيبة عامة لا خاصة ، ورأى أن الجهاد لاسترداد السليب من الوطن فرض عين لازم لا يسقط التكليف به على أي حال من الأحوال . ومن خلال ذلك الوصف لما أصاب الأندلس ، ومن أثناء الحض على الجهاد والقتال تبدو العاطفة الحزينة ، ويظهر لك الشاعر الباكي الذي كاد ييأس لولا الأمل البعيد الذي يتشبث به ، ويرجوه . القصيدة قال يستنجد ببني مرين ، وقبائل المغرب بخاصة ، وسامعي النداء من المسلمين وراء بحر الزقاق بعامة ، ويدعو إلى الجهاد ، ويرثي ما ضاع من بلاد الأندلس ( 2 ) :

--> ( 1 ) راجع : ابن خفاجة ، من سلسلة ( الذخائر 1 ) للمؤلف . ( 2 ) أنشد الرندي القصيدة بعد تحالف إسبانية والبرتغال . وأرغون ، وتنازل ابن الأحمر عن عدد كبير من المدن والحصون .