حسن الأمين
96
مستدركات أعيان الشيعة
في حسن صياغة العبارة ، وثانيهما في جدة تناول المعاني والقدرة على الغوص وراء الصور المبتكرة . وله من قصيدة مدحية يصف فيها جيش بني الأحمر ، فيه الأمراء منهم يقودونه ويخوضون به المعركة : وكتيبة بالدار عين كثيفة جرت ذيول الجحفل الجرار روض المنايا قضبها الشمس التي من فوقها الرايات كالأزهار فيها الكماة بنو الكماة كأنهم أسد الشري بين القنا الخطار متهللين لدى الهياج كأنما خلقت وجوههم من الأقمار من كل ليث فوق برق خاطف بيمينه قدر من الأقدار من كل ماض ينتضيه مثله فيصب آجالا على أعمار لبسوا القلوب على الدروع وأسرعوا بأكفهم نار لأهل النار وتقدموا ولهم على أعدائهم حنق العدي وحمية الأنصار وهو على كل حال يلحق بشعراء المديح الذين يقبلون الأعطيات والهدايا ، وإن لم نجد له طلبا صريحا للعطاء ، ولكنك تجد مثل قوله : إذا ما ضاقت الدنيا بحر كفاه لثم كفك ، والسلام ! أو قوله في قطعة أخرى : ولئن رجوت فان مثلك يرتجى ولئن سالت فان مثلك يسال فعلى الرغم مما يظهر من الروح التكسبية ، فإنك تحس بان الأمر يعدو هذا إلى أهداف أخرى كتثبيت المكانة عندهم ، والاحتفاظ بالوجاهة ، وإبراز الشاعرية . . . الغزل تنبه معاصرو الرندي إلى أنه برع في غرض الغزل - بالإضافة إلى المدح - . وهي ملاحظة صحيحة ، ويحس القارئ أن الشاعر يجوده ويسترسل فيه . ويشغل الغزل حيزا واسعا في شعره ، فهو أفرد له القصائد والمقطوعات ، وجعله استهلالا لبعض الأغراض الأخرى ، وبخاصة منها المديح . فمن قصائده الغزلية التي لم يصلها بمدح قوله : عللاني بذكر تلك الليالي وعهود عهدتها كاللآلي لست أنسى للحب ليلة أنس صال فيها على النوى بالوصال غفل الدهر والرقيب وبتنا فعجبنا من اتفاق المحال ضمنا ضمة الوشاح عناق بيمين ممقودة بشمال فبردت الحشا بلثم برود لم يزل بي حتى خبا لي خبالي وكئوس المدام تجلو عروسا أضحك المزج ثغرها عن لآل وبنحر الدجا ذوابل شمع عكست في الزجاج نور الذبال والثريا تمد كفا خضيبا أعجمت بالسماك نون الهلال وكان الصباح إذ لاح سيف ينتضى من غين وميم ودال ومسحنا الكرى إلى غانيات غانيات بكل سحر حلال في رياض تبسم الزهر فيها لغمام بكت دموع دلال وجرى عاطر النسيم عليلا يتهادى بين الصبا والشمال فاكتسى النهر لأمة منه لما أن رمى القطر نحوه بنبال يا ليالي منى سلام عليها أتراها تعود تلك الليالي ؟ ويبقى ( الغزل ) من أهم الأغراض الدالة على شاعرية الرندي ، وشعره ، في روحه وأساليبه ، وإبداعه الفني . الوصف يشيع موضوع الوصف في شعر الرندي ، فهو يلون قصائده المطولات ، ويستقل بقصائد خاصة ، وينفرد بمقطعات غير مطولة أيضا . أما وصف الطبيعة الأندلسية - والغرناطية بخاصة - فأمر يشيع في شعره كله سواء في المطولات أو المقطعات . ويتبع ذلك ما كان من وصف الأزهار ، والثمار ، والخمرة ، وضروب الرياحين المختلفة . فمن شعره الوصفي قوله يصف الليل وجملة أمور مناسبة : وليلة نبهت أجفانها والفجر قد فجر ضوء النهار والليل كالمهزوم يوم الوغى والشهب مثل الشهب عند الفرار لذاك ما شابت نواصي الدجا وطارح الصبح أخاه فطار وفي الثريا قمر سافر عن غرة غير فيها السفار كان عنقودا به مائل إذ صار كالعرجون عند السرار كأنما تسبك ديناره وكفها تفتل منه سوار كأنما الصبح لمشتاقه عز غنى من بعد ذل افتقار كأنما الشمس وقد أشرقت وجه أبي بكر بن يحيى أنار ! قال في وصف السفن في البحر : سفائن تسبح في لجة كأنها صوافن تلعب من أدهم تهفو شراع به كان صبحا ( دونه ) غيهب إذا جرى من خلفه ملحما فلاحق لعتقه ينسب وأشهب صور من عنبر وأين منه العنبر الأشهب وأسحم يدعى غرابا وما ينعق بالبين ولا ينعب وله من قصيدة يصف الليل : كان البدر تحت الغيم وجه عليه من ملاحته لثام كان الكوكب الدري كأس وقد رق الزجاجة والمدام كال سطور أفلاك الدراري قسي والرجوم لها سهام كان مدار قطب بنات نعش ندي والنجوم به ندام الرثاء أفرد الرندي في كتاب « الوافي » بابا خاصا لغرض الرثاء ، واستغله - كعادته في الأغراض الأخرى - في إيراد نماذج من شعره في الرثاء تعد أبرز ما بين أيدينا منه . ونجد شعره هذا في قسمين ، القسم الأول منه خاص أسري ، رثى فيه من اتصل به من المتوفين من الأقارب ، والقسم الثاني يتعلق برثاء بعض من اتصل بهم بسبب . وفي الأول رثاؤه في ابن له ( اسمه محمد ) وفي والده ، وفي زوجته . وفي الثاني رثاؤه في الأمير النصري محمد ( الأول ) وفي من دعاه أبا بكر ، ولعله الوزير أبو بكر بن يحيى الذي سبق له أن كان من ممدوحيه . فمن شعره الرثائي قوله من قصيدة يرثي بها زوجته : يا برهة كان فيها للمنى أمل ونزهة للهوى والسمع والبصر مضت مضي الصبا عني ولا عوض ومن يقوم مقام الشمس والقمر عهدي بألفتنا والأنس ينظمنا بطيبة العيش نظم السلك للدرر روحين في جسد ، سرين في خلد كما تقابل أهل الخلد في السرر حتى رمى البين شخصينا ففرقنا كما تفرق بين العين والنظر