حسن الأمين
95
مستدركات أعيان الشيعة
أنفسهم وفي حياتهم ، أم كان يخص الأمة في أحوالها المضطربة وظروفها القاسية . وقد كان عدد كبير من كتاب الأمراء يقرضون الشعر ويقدمونه بين يدي مخدوميهم ، فكثر لهذا شعر المديح والمناسبات : وسيكون هذا ظاهرة بارزة في القرن التالي حين نجد رؤساء الكتاب جميعا من الشعراء ، وبعضهم يقف في الشعر على قدمين راسختين . 2 - وبعد أن استقرت الأمور في غرناطة - وما حازوه من الأندلس في نطاقها - اتخذوا لأنفسهم رسوم الملك ، وأبهة السلطان ، واتخذوا الكتاب والحجاب والوزراء . وكانت الدولة تنعم بين الفينة والأخرى بهدوء نسبي يسمح للأمراء النصريين بالالتفات إلى البنيان والعمران ، والأخذ بأسباب الحياة الملوكية . وكان لا بد لدولة ناشئة - كهذه - من أن تفيد من الخبرات والمواهب التي نبتت في ظلالها . وهكذا حصلت الصلة بين الرندي وبين بني نصر . 3 - لا نجد بين أيدينا من باقي شعره ما يدل على اتصاله في مرحلة شبابه الأولى ببعض الأمراء من الموحدين أو ببعض الثوار والمنتزين في أرجاء الأندلس بعامة أو في رندة بخاصة . فقد كان في نحو الخامسة والعشرين من عمره عندما قام محمد بن هود بدعوته ، وبايعته معظم أطراف الأندلس مدة من الزمن ، وانقضت دعوته بوفاته وهو في الخامسة والثلاثين . وقد ولى ابن هود على مدينة رندة سنة 630 أديبا شاعرا هو أبو بكر بن عبد العزيز الشهير بابن صاحب الرد . وكان له دور بارز في الخروج بعد ذلك في قرطبة وتعيين ابن عمه الباجي ( 630 - 632 ) مخالفا لابن هود ومستقلا بالأمر . وكانت سنه بين العشرين والرابعة والعشرين حين احتدم الخلاف بين المتطلعين إلى الخلافة من الموحدين . فبعد مبايعة عبد الواحد ( المخلوع ) سنة 620 بمراكش قام العادل بالأندلس . وبعد مدة يسيرة خرج أمير آخر هو المعروف بالبياسي فدعا لنفسه وتحالف مع دول إسبانية ، وكان يسلمهم البلاد والحصون ، حتى قضى عليه أهل قرطبة 624 . ولكن أبا العلاء ( المأمون ) الموحدي قام - بعد سفر أخيه العادل إلى مراكش أميرا - فدعا لنفسه في الأندلس . ونقل في ( الوافي ) أبياتا في مدح الوزير أبي بكر بن أخيل لم يزد على أن قال فيه « من أهل بلدنا » يعني رندة . وقد أورد الرندي ذكر خليفتين من الموحدين بمناسبة تهنئة شاعر معاصر له للرشيد الموحدي في تولية الخلافة الموحدية بمراكش وتعزيته بوفاة والده المأمون ، ولكنه حديث عارض لا يدل على علاقة - تستنتج - بهم ، قال : « ولم أر لأحد متقدم أو متأخر ( في اجتماع تهنئة وتعزية ) كقول بعض أهل عصرنا يهنئ الرشيد بالولاية ويعزيه بابيه المأمون : هنيئا وإن كنا لحسن العزا أولى بملك الذي استولى وهلك الذي ولى وليس بين يدي ما يرجح صلته بالموحدين ، صلة شاعر مادح بدولة مستقرة وأمير ممدوح . وشعر الرندي الباقي يدل على اتصاله ببني الأحمر بعد مرحلة تكوين الدولة الجديدة ، وتثبيت إطارها . 4 - ويبرز الرندي في ظلال بني الأحمر شاعر بلاط ، مداحا ، ذا صلة وثيقة بالدولة الفتية وأمرائها المحبين للشعر ، المتطلعين إلى قصائده فيهم ، وأشعاره التي ينظمها في الأغراض الأخرى . وهو شاعر مكثر ، غزير الإنتاج ، سهل العطاء ، حاضر البديهة . وقد كان شعره مدونا ( مجموعا في ديوان ) ، ولكننا لا نعرف إلى الآن في المكتبات المشهورة ديوان شعر له . وجوانب شعره متعددة ، وأبرز أغراضه الشعرية : المديح ، وشعر الغزل ، والرثاء ، - منه رثاء المدن والممالك - والوصف ، والحكمة . وله مشاركة في أغراض شعرية أخرى . وقد نبه ابن الزبير إلى إجادته في غرضي المدح والغزل ، وهي ملاحظة دقيقة . أغراض شعر الرندي المدح : يبرز غرض المديح في شعره لوفرة إنتاجه فيه ، وارتباطه مدة طويلة بالبلاط النصري . وهو يذكرنا بشعراء المديح التقليديين الذين أخلصوا الولاء لدولة من الدول ، واستمروا على ذلك الولاء إلى أواخر حياتهم . فهو اتصل بالأمير النصري الأول محمد بن يوسف ( ت 671 ) وبابنه محمد الفقيه ( ت 701 ) هفمدحهما ، وتردد على غرناطة طويلا في عهدهما . ويتناول شعر المديح عنده القيام بمهمة شاعر البلاط الذي لا يغادر مناسبة دون أن يقول فيها شعرا ملائما ، فهو رفع قصائده إليهم في المناسبات ، والأعياد ، والمواسم . واتصل غرض المديح - هنا - بما دعاه في كتابه الوافي : التهاني ، حين أفرد له بابا مستقلا . وتجد في شعره قصائد في تولية ابن الأمير ولاية العهد ، وفي إعذار بعض أولادهم ، وفي المديح عامة . وكأني بالشاعر يفد على غرناطة في أوقات ومواسم بأعيانها لا يدعها تفوته ، إضافة إلى وفاداته العارضة ، واستدعاءات القصر له لأغراض مختلفة . وله قصيدة مطولة قالها معارضة لقصيدة المتنبي : أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل دعا فلباه قبل الخيل والإبل وقد أنشد الرندي قصيدته « لما بويع بالحضرة النصرية بولاية العهد الأمير المعظم أمير المسلمين أيده الله واقترن بذلك مولد ابنه الأمير المعظم أسعده الله . . . » ( 1 ) وقدم لها بمطلع غزلي رائق ، ومن الغرض فيها : يا يوم سعد كان العيد عاد به فالناس في مرح والدهر في جذل شاهدته فرأينا الأرض قد بهرت والشمس قد سترت وجها من الخجل وللطبول به خفق يساجله خفق البنود على الخطية الذبل وكل أشوس ساجي الطرف من أدب يهوي للثم يد أشهى من الأمل ويجتلي غرة بالبشر مشرقة كما تجلت إياه الشمس في الحمل وفي آخر القصيدة : ابن الهمام الذي له حلى حسنت بها الامارة حسن المدح بالغزل ومن له كرم ريش الثناء به فطار حتى سرى في الأرض كالمثل وتجد في مدائحه المعاني المطروحة عادة في هذا الغرض وكان الشاعر يجتهد دائما في أن تكون شخصيته الشعرية ظاهرة على محورين : أحدهما
--> ( 1 ) الوافي في نظم القوافي : 37 « النسخة التيمورية » .