حسن الأمين

94

مستدركات أعيان الشيعة

بالعدوة متشوقا إلى الأندلس والأهل والوطن ، يقول فيها : يا نسيما هب من أندلس فتلقت طيبه ريح النعامى ما امترى ناشقه لما سرى أنه فض عن المسك الختاما آه من شوقي لقوم ما جرى ذكرهم إلا جرى دمعي سجاما وذكر الرندي خبر اجتماعه بالشيخ الفقيه أبي علي القصري بمدينة سبته ومذاكرته إياه في ضروب من الآداب . ( 1 ) جوانبه واهتماماته تنوعت جوانب الرندي واهتماماته ، وتعددت . فهو - كما ظهر من تراجمة ومما ترك من مؤلفات ، وما وصل إلينا من أسماء بعض مؤلفاته الأخرى - كان أديبا ، فقيها ، مشاركا . وامتدت اهتماماته لتشمل معظم جوانب الثقافة الأدبية والدينية لعصره . فقد كان شاعرا ، وأديبا مؤلفا ، وناقدا . ومن جهة ثانية كان فقيها ، محدثا فرضيا ، مقدما في رجال القرن السابع المعدودين . فهو - على الرغم من تعدد اتجاهاته ، واتساع جوانبه - ذو مكانة خاصة في معظم تلك الجوانب التي طرقها . شخصية الرندي تجتمع لدى الدارس من أخبار الرندي ومما يجده في كتبه صورة واضحة تقريبا لأخلاقه وتدينه ، ومكانته في عصره وعلاقاته بمعاصريه ، واتجاهاته . وكانت الأوصاف التي أسبغها عليه ابن الزبير ، وابن عبد الملك المراكشي ، وابن الخطيب كافية لاعطائه صورة الأديب الفقيه الشاعر ، ذي المكانة المرموقة في عصره . ففي ترجمة ابن الزبير له أنه كان بالجملة معدودا في أهل الخير ، وذوي الفضل والدين . وعند ابن عبد الملك أنه « كان خاتمة الأدباء بالأندلس ، بارع التصرف في منظوم الكلام ومنثوره ، فقيها ، حافظا ، فرضيا متفننا في معارف شتى ، نبيل المنازع ، متواضعا ، مقتصدا في أحواله » . وقد كان الرندي ممن يستطيع أن يحسن الصلة بينه وبين أهل الفكر ، وأصحاب الدولة من الأمراء الحكام والوزراء المتنفذين ، ومن كان في ساحتهم . وساعده علمه وشاعريته على تقريبهم له واستنشادهم من شعره . وهو جمع إلى هذه الصفات الخلقية الطيبة ورعا وتدينا ومراقبة تشهد بها تراجمة ، وقطع باقية من أشعاره . فمن شعره في غرض التوحيد ( 2 ) قوله : ما بالنا نغتر بالأذهان ونغرها بمطالب البرهان ونقيس كي ندري لكل علة ونروم شيئا ليس في الإمكان ونروم معرفة الإله وإنما نبغي الكمال بغاية النقصان ونريد نفهم سره في عالم لو شاء كان على نظام ثان ومن المحال تصور الإنسان ما منعته قوة عالم الإنسان ما في الوجود إذا أردت حقيقة إلا الإله وكل شيء فان وله من قطعة أخرى : أشار إليك جميع الوجود بأنك أوجدته من عدم وقام بأمرك من غير شيء ولولاك يا سيدي لم يقم صلته بدولة بني نصر سبق القول إن الرندي ولد في أول القرن السابع . فهو نشا وشب في ظل أواخر دولة الموحدين ، وشهد الاضطرابات المريعة التي مرت على الأندلس بعد هزيمة العقاب الشنيعة سنة 609 ، وهلم جرا إلى أن استقر الحال بالأندلس في القسم الباقي تحت ظل بني نصر المعروفين ببني الأحمر في مملكة غرناطة . وكانت ( رندة ) في جملة المدن الباقية . ويظهر لي أن اتصال الرندي بالأمير النصري لم يكن قبل استقرار الأمور له بعد سنوات من الكفاح لوقف المد الخارجي الطامي . وتدل القصائد الباقيات من شعره في بني نصر أنه كان لهم بمثابة شاعر القصر ومناسباته المختلفة . فهو يهنئ بالأعياد والانتصارات ، ويشارك في المواسم والمناسبات . وهو يرثي من يتوفى من الأسرة أيضا . وطرز الرندي كتابه ( روضة الأنس ونزهة النفس ) باسم الأمير النصري أبي عبد الله محمد بن نصر . واختص بالبيت النصري ، فشهد عهد الأمير الأول محمد ، وعهد ابنه من بعده محمد الفقيه إلى أن توفي في عهده . مؤلفاته بقيت - إلى أيامنا هذه مجموعة من آثار الرندي ، بينما نقف على أسماء مؤلفات وآثار أخرى لا ندري أفي الضائع هي لا رجعة له ، أم أنها في بطون الخزائن . وكتبه التي نعرفها أو نعرف لها اسما هي : 1 - الوافي في نظم القوافي . وهو كتاب نقدي جامع ، منه نسخ في القاهرة والرباط ولندن وغيرها . 2 - روضة الأنس ونزهة النفس ، وهو كتاب ثقافة جامع شبيه بكتب المعارف العامة كعيون الأخبار والعقد وأشباهها . ومنه نسخة ناقصة في مكتبة خاصة بالمغرب . 3 - ديوان شعر ، وهو مفقود ، منه نقول مبثوثة في كتبه ، وفي كتب التراجم وتاريخ الأدب الأندلسي . قال ابن الزبير إن كلامه - نثرا ونظما - مدون . 4 - وله ( مقامات ) . نعرف اسمها فقط ، وهي من المفقود . 5 - كتاب في الفرائض . وقد شرحه الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن محمد القرشي البسطي الشهير بالقلصادي . 6 - جزء على حديث جبريل . 7 - تأليف في العروض . 8 - قال ابن الزبير أيضا « وله تصانيف أدبية وقصائد زهدية » . الرندي شاعرا 1 - كانت الحركة الشعرية في القرن السابع الهجري استمرارا لما كان في القرن السابق عليه من النشاط ، وغزارة الإنتاج ، ووفرة الشعراء ، وعلو الطبقة . واتسم الشعر بالنفس القوي والأفق المشرف ، فهو لم ينحدر انحدارا مماثلا لضعف الأحوال العامة في البلاد . وكانت الأندلس لا تزال تنجب الشعراء المتقدمين كابن الأبار ، وابن سهل الإشبيلي ، وحازم القرطاجني ممن وصلت إلينا دواوينهم الشعرية ، ومثل أبي البقاء الرندي وابن سعيد المغربي الأندلسي ممن وصل إلينا قدر صالح من أشعارهم . وكان ما يزال في الأندلس - في أول القرن ، وبعد استقرار الأمور لابن الأحمر في غرناطة - من يقدر الشعر ، ويثيب عليه ، ويشجع أصحابه . وكان بعض أولي الأمر من الخلفاء والوزراء والحكام يقرضون الشعر قليله وكثيره ، ويشاركون في الحركة الأدبية . وكانت هناك حوافز مختلفة بحسب اختلاف الظروف وتنوعها وتشعبها في هذا القرن الشديد الاضطراب تدفع بالشعراء إلى نظم الشعر وإيداعه ثمرات القرائح وخلجات العواطف ، سواء أكان ذلك مما يخص الشعراء

--> ( 1 ) الوافي في نظم القوافي ( النسخة التيمورية ) : 122 . ( 2 ) روضة الأنس ونزهة النفس : 5 .