حسن الأمين

93

مستدركات أعيان الشيعة

لا تسلموا الإسلام يا إخواننا وأسرجوا لنصره وألجموا واستردت غرناطة مدينة شريش بعد حملة بني مرين التي أنجدت الأندلس سنة 662 . وبعد ضغوط قشتالة بايع ابن الأحمر للمستنصر الحفصي صاحب تونس ولكن هذه الخطوة لم تؤد إلى أن ترفع الضغط عن غرناطة . ويرى الأستاذ عنان في تاريخه أنه لما تفاقم عدوان القشتاليين وضغطهم لم ير ابن الأحمر مناصا من أن يخطو خطوة جديدة في مهادنة ملكهم ومصادقته فنزل له أواخر سنة 665 عن عدد كبير من المدن والحصون منها شريش والمدينة والقلعة . وقدر صاحب الذخيرة السنية جملة ما تنازل عنه بنحو أربعين مسورا من المدن والحصون ، وقيل مائة ! ولما أعطى ابن الأحمر البلاد المذكورة للألفونش ( ألفونس ) قال أبو محمد صالح بن شريف الرندي يرثي بلاد الأندلس ، ويستنصر بأهل العدوة من مرين وغيرهم بهذه القصيدة : لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان وعلى رغم هذه التنازلات والمعاهدات ، فقد كان الضغط على دولة غرناطة كبيرا ، وقد هاجم ألفونس العاشر ( القشتالي ) سنة 671 فاستنجد ابن الأحمر بالمرينيين . وتوفي في العام نفسه ، وأوصى ابنه محمد ( الفقيه ) الذي ولي بعده بان يصل يده بيد المرينيين . وقد تم اللقاء بين النصريين والمرينيين . وعبر السلطان المريني أربع مرات في أثناء حكمه لمساعدة الأندلس والجهاد فيها . وهزم القشتاليون بعد هذا التحالف عددا من الهزائم أهمها في إستجة 774 . وترك المرينيون حامية مغربية دائمة في الأندلس تحت رعاية قائد منهم عرف بشيخ الغزاة . وعلى الرغم من أن العلاقة بين بني نصر وبني مرين لم تكن دائما خالصة من المشكلات الجانبية فان الصورة العامة هي استرداد الأندلس لعهد من الثبات والقوة فقدته منذ زمن بعيد . وحكم محمد الفقيه حتى سنة 701 . كنيته هو النفزي ، من أهل رندة ويكنى أبا الطيب ، وأبا البقاء . والحق أن ابن الخطيب في الإحاطة لم ينقل عن أحد ممن ترجموا له أنه يكنى بغير أبي الطيب . وأول من ذكره بكنية أبي البقاء - بالإضافة إلى كنيته الأخرى - هو المقري في نفح الطيب . وقد ذكره عدة مرات في النفح والأزهار واختار من شعره ، ونقل قصيدته في رثاء الأندلس . ولا بد من الافتراض أن للرندي كنيتين عرف بهما . ويبدو أن شيوع كنية أبي البقاء في المشرق والمغرب جاءت بعد المقري الذي ذكر تلك الكنية مرة واحدة في كتابه ، ويرجح أن ( أبا الطيب ) كانت الأشهر في زمانه . نسبته ينتسب الرندي إلى قبيلة نفزة ، وهي من قبائل البربر . وينتمي إلى مدينة رندة . قال في الروض المعطار ( 1 ) إنها « من مدن تاكرنا . وهي مدينة قديمة بها آثار كثيرة ، وهي على نهر ينسب إليها » . كما نقل ابن سعيد في ( المغرب ) أنها أحد معاقل الأندلس الممتنعة ، وقواعدها المرتفعة . ودار حولها خلاف ونشبت معارك في أيام ملوك الطوائف حتى حصلت في يد بني عباد . وبقيت رندة في جملة دولة غرناطة الإسلامية الباقية إلى أواخر أيامها أسرته لا نجد في كتب التراجم حديثا عن أسرته وأولاده ، ولا نعرف من اشتهر من أهله بعده . غير أننا نعرف أن له ابنا توفي صغيرا ( ابن 8 سنوات ) . وقد رثاه بأكثر من قصيدة في كتابه الوافي . وقال الرندي في مقدمة قصيدة أنشدها في المغرب ( بر العدوة ) أنه يتشوق إلى الأهل والوطن ، ولكنه لم يفصل في ذكر أهله . وله قصيدة في رثاء والده ، ذكرها في الوافي . مشيخته أما شيوخ الرندي فهم من أعلام العصر في فنون مختلفة ، فأبو الحسن الدباج كان من أهل الفضل والصلاح ، مقرئا ، محدثا ، متقدما في العربية والآداب ، ويقرض قطعا من الشعر يجيد فيها . وهو توفي 646 . وابن الفخار الشريشي كان عارفا بالحديث حافظا للفقه والآداب ، وهو استقضي برندة ، والجزيرة الخضراء ، وتوفي سنة 642 . وبقية شيوخه ممن تحدثت كتب التراجم عنهم بالعلم والفضل والتقدم . ويبدو أن الرندي تلقى علومه واستكمل ثقافته في مدينة رندة . وأنه عندما تنقل وترحل عن بلده كان قد ثبت على قدم في العلوم والفنون راسخة ، حتى عرف له معاصروه فضله ومكانته . رحلاته وتغربه عن رندة كانت للرندي رحلات وأسفار إلى أنحاء الأندلس الباقية في عصره ، وأكثر رحلاته وأسفاره كان إلى الحاضرة « غرناطة » . فقد نقل لسان الدين أنه « كان كثير الوفادة على غرناطة والتردد إليها يسترفد ملوكها ، وينشد أمراءها . والقصيدة التي أولها : أواصلتي يوما وهاجرتي ألفا أخبرني شيخنا أبو عبد الله اللوشي الكاتب أنه نظمها باقتراح السلطان ، وقد أوعز اليه ألا يخرج عن بعض بساتين السلطان حتى يكملها ، في معارضة « محمد بن هانئ الالبيري » . وكانت له رحلة - أو أكثر - إلى المغرب ، لا ندري متى كانت على التحديد ، غير أننا نجد في جملة قصائده المبثوثة في كتابه « الوافي في نظم القوافي » قصيدة يحن فيها إلى الأندلس . قال ( 2 ) ومما يتعلق بذلك - يعني باب الوصف - قولي وأنا بمراكش : بحياة ما ضمت عرى الأزرار بذمام ما في الحب من أسرار بالحجر ، بالحجر المكرم ، بالصفا بالبيت ، بالأركان ، بالأستار بالله إلا ما قضيت لبانة تقضي بها وطرا من الأوطار وتكف من أشجان صب يشتكي جور الزمان وقلة الأنصار بلغ لأندلس الزمان وصف لها ما بي من أشواق وبعد مزار وإذا مررت برندة ذات المنى والراح والزيتون والأزهار سلم على تلك الديار وأهلها فالقوم قومي والديار دياري وذكر الشاعر لنفسه قصيدة في كتابه روضة الأنس ونزهة النفس ( 3 ) قالها

--> ( 1 ) الروض المعطار ( صفة جزيرة الأندلس ) للحميري : 79 . ( 2 ) الوافي في نظم القوافي - نسخة الرباط ص 39 . ( 3 ) روضة الأنس : 17 .