حسن الأمين
80
مستدركات أعيان الشيعة
المعتصم لما هجاه ، وعاد إليها بعد ذلك ، وكان خبيث اللسان ، قبيح الهجاء » . ولعلك لا تقرأ فصلا في تاريخ الأدب العباسي يذكر فيه دعبل ، إلا ويقترن اسمه فيه بأنه « خبيث اللسان » وأنه يسيء إلى من أحسن إليه ، ويضربون لك الأمثال بموقفه من الرشيد والمأمون والمعتصم وغيرهم . والواقع أن دعبل نفسه قد القى ضوءا على هذه الظاهرة في سلوكه ، حين قال هذه الأبيات يتوعد بها المأمون . أيسومني المأمون خطة عاجز أوما رأى بالأمس رأس محمد « 1 » يوفي على هام الخلائق مثلما توفي الجبال على رؤوس القردد لا تحسبن جهلي كحلم أبي ، فما حلم المشايخ مثل جهل الأمرد إني من القوم « 2 » الذين سيوفهم قتلت أخاك وشرفتك بمقعد شادوا بذكرك بعد طول خموله واستنقذوك من الحضيض الأوهد فان دعبلا حين قال له إبراهيم بن المدبر : « أنت أجرأ الناس وأقدمهم حيث تقول هذا الشعر في المأمون » ، أجاب : - أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة فلا أجد من يصلبني عليها . وما كان لرجل ، مثل دعبل ، أن يقول هذا القول ، لمجرد كونه شاعرا « خبيث اللسان » كما يصفه المؤرخون ، فان من يحمل خشبته أربعين سنة يتعرض لصالبيه ، إنما هو في الواقع يحمل غرضا كبيرا تخف المسألة الشخصية المحض في ميزانه ، وتفسير هذا أن دعبلا كان على مذهب في المعارضة السياسية تأبى عليه أن يهادن سلطان الحاكمين العباسيين ، لأنه كان يعتقد ، في مذهبه السياسي هذا ، أنهم يغتصبون السلطان اغتصابا . فليس « خبث اللسان » وليس « عدم الوفاء » - إذن - سبب موقفه المعروف من الرشيد ، إذ مدحه ، ثم هجاه وذمه في مثل قوله حين مات الرشيد : قبران في طوس « 3 » : خير الخلق كلهم وقبر شرهم « 4 » ، هذا من العبر وليس « خبث اللسان » ولا « عدم الوفاء » كذلك سبب موقفه من الأمين يوم مات والده واستخلف هو بعده ، إذ قال : الحمد لله ، لا صبر ، ولا جلد ولا رقاد إذا أهل الهوى رقدوا خليفة مات لم يحزن له أحد وآخر قام لم يفرح به أحد فمر هذا ومر الشوم يتبعه وقام هذا وقام الشوم والنكد وقيل أن دعبل قال البيتين الأولين حين مات المعتصم وقام الواثق . وفي هذا الضوء نفسه ، نفسر موقفه من إبراهيم بن المهدي المغني حين بايعه بنو العباس بالخلافة ، مذ بايع المأمون أمام العلويين عليا بن موسى الرضا بولاية العهد ، وقد قل المال عند إبراهيم بن المهدي ، فخرج رسوله إلى الناس ، وهم محتشدون ينتظرون أقواتهم ، فصرح لهم انه لا مال عنده ، فقال بعض الجماهير المحتشدة ساخرا : - أخرجوا إلينا خليفتنا المغني يعطي أهل هذا الجانب ثلاثة أصوات ، وأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات ، فيكون ذلك عطاؤه لهم ! . وبعد أيام ، من هذا الحادث ، أنشد دعبل : يا معشر الأجناد لا تقنطوا وارضوا بما كان ، ولا تسخطوا فسوف تعطون « حنينية » « 5 » يلدها الأمرد ، والأشمط والمعبديات « 6 » لقوداكم لا تدخل الكيس ، ولا تربط وهكذا يرزق قواده خليفة مصحفه « البربط » « 7 » قد ختم الصك بارزاقكم وصحح العزم ، فلا تغمطوا بيعة إبراهيم مشئومة يقتل فيها الخلق ، أو يقحطوا وفي ضوء سياسته المعارضة هذه ، وتنكره لأهل الحكم العباسي ، ومن يتصل بجهاز هذا الحكم من وزراء وقادة وولاة ، كان يرى إلى نقائص الدولة ونقائص رجالها ، ويرى إلى علاقاتها بالشعب الذي تحكمه ، فيدرك الخلل في ميزان العدل وميزان الحكم كله . وفي هذا الضوء ذاته ، قال ما قاله في أبي عباد وزير المأمون الذي كان معروفا بشراسته مع الناس والكتاب وصغار الموظفين : أدنى الأمور لضيعة وفساد أمر يدبره أبو عباد خرق « 8 » على جلسائه ، فكأنهم حضروا لملحمة ، ويوم جلاد يسطو على كتابه بدواته « 9 » فمضمخ بدم ونضح مداد وكأنه من « دير هرقل » « 10 » مفلت حرد ، يجر سلاسل الأقياد فاشدد أمير المؤمنين وثاقه فأصح منه بقية الحداد « 11 » ويؤيد الرأي بان دعبلا كان يهجو مثل هذا الهجو ، لا عن محض هوى ذاتي ، بل انتصارا لعقيدة يعتقدها ، موقف المأمون نفسه من شاعرنا بالرغم من هجائه إياه تقدم ، وذلك أن المأمون كان ذا ميل معروف للعلويين ، وقد ولى الإمام الرضا ولاية عهده ، وكان يعلم من حال دعبل أنه يهجو العباسيين ورجال دولتهم عن رأي وعقيدة ، لا عن « خبث لسان » و « عدم وفاء » ولذلك عفا عنه ، وتناسى قوله فيه وفي أبيه وأخيه وعمه . وقد قيل للمأمون يوما أن دعبل قد هجاك . فقال : من أقدم على هجو أبي عباد مع جنونه ، كيف لا يقدم على هجوي مع حلمي . والأمر عند المعتصم ، في موقفه من دعبل ، يختلف عن أمر المأمون ، فقد كان المعتصم يغضب لكل ما يقوله دعبل في أحد من بني العباس أو من رجال دولتهم ، حتى لقد هم بقتله حين بلغه ما قاله في أبيه الرشيد بعد موته ، فهرب دعبل واختفى زمنا في الجبل ، وهجا المعتصم هجاء لاذعا ، في مثل قوله : بكى لشتات الدين مكتئب صب وفاض بفرط الدمع من عينه غرب وقام إمام لم يكن ذا هداية فليس له دين ، وليس له لب ومن هذه القصيدة في المعتصم يصف اضطراب حال الشعب ، وانتشار الفقر والظلم : فقد ضاع أمر الناس حين تسوسهم وحل بهم عسر ، وقد عظم الخطب وقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم وصيف ، وأشناص ، قد عظم الكرب « 12 » هكذا وقف دعبل ، طوال عهده بممارسة الشعر ، من الدولة العباسية ، وقد احتمل بذلك عناء التشريد ، وطوف في الآفاق هاربا وسائحا ، فرحل إلى خراسان وإلى بلاد الشام ومصر والمغرب ، وقد طالت ألفته ، أثناء أسفاره وتشرده ، بالشراة الثائرين والصعاليك المشردين . وما اقتصر شعره في تأييد عقيدته ومذهبه السياسي على هجاء الحكام العباسيين ، بل لقد مدح أهل البيت من أبناء علي بن أبي طالب ، ورثى