حسن الأمين
79
مستدركات أعيان الشيعة
المحرومة ، بل لقد كان من طبيعة وضعهم السياسي هذا ، أن يكون بعضهم من أشد الناس احتمالا لصنوف الظلم والاضطهاد والحرمان . وقد كان هذا نصيب شاعرنا دعبل في أوائل أمره ، فإنه عاش سنية الأولى في الكوفة على ضنك شديد مريع ، ويبدو - كما في رواية « الأغاني » - أن العوز قد ألح عليه في الكوفة ، وهو في مطالع الشباب ، حتى كاد يفسد سيرته ، فإذا هو متهم بجناية ، ولا يصرح « الأغاني » بحقيقة هذه الجناية ، وإذا برئيس شرطة الكوفة العلاء بن منظور الأسدي ، يحبس « دعبلا » الفتى بتهمته هذه ، ويشفع له عمه سلمان بن رزين لدى رئيس الشرطة ، ويرجو أن يضربه « لعله يتأدب » ، فيضربه ثلاثمائة سوط ! . وتدل رواية « الأغاني » ، ان هذه الحادثة ، قد خرجت بدعبل من الكوفة ، « فلم يدخلها بعد ذلك إلا عزيزا » . وفي النبذة المختارة من كتاب تلخيص أخبار شعراء الشيعة للمرزباني ، أن « دعبل بن علي الخزاعي ، كان شاعرا مجيدا ، كان على غاية من الفقر » . ويظهر أنه حين خرج من الكوفة ، قصد إلى بغداد ، ولعل موهبته الشعرية يومئذ كانت تتفتح على مهل ، فتبعث في نفسه ميلا إلى المعرفة ، ورغبة في تحصيل العلم ، وطموحا إلى مكانة الأدباء الشوامخ في بداءة عصر النهضة العباسية ، ولكن الفقر كان معه في بغداد كذلك ، فلم تتهيأ له الفرص ، أول الأمر ، لنيل حاجته من العيش ، وتحصيل العلم ، حتى اهتدى إلى الشاعر مسلم بن الوليد « صريع الغواني » فاخذ هذا يعلمه الأدب والشعر ، ولكن « مسلما » نفسه كان فقيرا مثله ، وفي رواية « تاريخ دمشق » أن دعبلا « كان في مبدأ أمره غلاما خاملا لا [ يؤبه ] يعبا به ، وكان بينه وبين مسلم بن الوليد إزار ( 1 ) لا يملكان غيره ، فإذا أراد دعبل الخروج جلس مسلم في البيت عاريا ، وإذا خرج مسلم جلس دعبل كذلك ، وكانا إذا اجتمعا لدعوة يتلاصقان فيطرح هذا شيئا منه عليه ، والآخر الباقي ، وكانا يعبثان بالشعر » . وليست تخلو هذه الرواية من المبالغة في وصف حالهما ، ولكنها ظاهرة الدلالة على مبلغ ما كان يعانية أديب مثل مسلم بن الوليد كان قد اشتهر يومئذ في حلقات الأدب ببغداد بدليل أنه تصدى لتعليم دعبل وترويضه على ممارسة الشعر . ويبقى دعبل هكذا ، في عاصمة الخلافة ، يتعلم ويتأدب ، على هذا الحال ، حتى يكون قد تزود من ثقافة بغداد ، يومئذ ، بزاد حسن وحتى حذق صناعة الشعر ، واكتملت عدته اللغوية والعلمية لإظهار مواهبه . وقد رأيت أنه لم يستطع الوصول إلى هذه الغاية ، إلا باحتمال قسوة العيش ولوعة الحرمان ، مع خمول الذكر إلا في أوساط المجهولين المحرومين ، في حين كانت بغداد تضج بأسماء الشعراء الذين شقوا طريقهم إلى بلاط الخلافة ، وكان العهد يوم ذاك ، عهد الرشيد . ويظل دعبل في محنة الفقر وخمول الاسم ، على رغم ما وصل إليه من نضج الشاعرية ، حتى يكون ذات يوم ، فإذا الرشيد يطلب إلى بعض المغنين ان يغنيه شعرا وإذا المغني هذا يختار أبياتا لدعبل كان قد سمعها عنه حديثا ، إذ كان بعض أوساط الأدب يتناقلها ويتحدث عنها بالرضا والاعجاب ، وهي هذه : أين الشباب واية سلكا لا ، أين يطلب ؟ ضل ، بل هلكا لا تعجبي ، يا سلم ، من رجل ضحك المشيب برأسه ، فبكى يا سلم ، ما بالشيب منقصة لا سوقة يبقي ، ولا ملكا قصر الغواية عن هوى قمر أجد السبيل إليه مشتركا وعدا بأخرى عز مطلبها حبا يطأ من دونها الحسكا يا ليت شعري ! كيف نومكما يا صاحبي ، إذ دمي سفكا لا تاخذا بظلامتي أحدا طرفي ، وقلبي في دمي اشتركا وما يكاد يسمع الرشيد هذا الشعر في لحن المغني ، حتى يعجب به ويطرب له ، فيسأل المغني عن قائله ، ولكن من أين لاسم دعبل أن يلفت النظر حتى يذكره للرشيد ، ولذلك يقول : - هذا الشعر لبعض أحداث خزاعة ممن لا يؤبه له يدعى دعبلا ! . وتقول الرواية هنا ، وهي رواية أكثر المؤرخين ، أن الرشيد أرسل إلى دعبل عشرة آلاف درهم ، وحلة من حلله ، ومركبا من مراكبه ، وأجاز المغني ، وقال للرسول : أعطه هذا ، ومره بالحضور إلي ، وان أبي فلا تجبره رفقا به ، وإكراما واحتراما له . ويمضي الرسول يبحث عن « دعبل » هذا . . . فإذا اهتدى إليه ، وأبلغه رغبة الرشيد ، استجاب لدعوته دون تردد ، لكي يشق أول طريقه إلى بلاط الخلافة ، فإذا هو امام الرشيد في مجلسه يستنشده الشعر ، فينشده ، وإذا الرشيد يزداد به إعجابا . من هنا بدأ اسم دعبل يظهر بين الشوامخ ، ولولا هذه الحادثة ، لطال لبثه في غمار الموهوبين المجاهيل ، ثم مضى اسم دعبل يلمع ويسطع ، ومضت أبياته تشتهر وتسير على ألسنة الأدباء والشعراء والملوك والأمراء ، حتى قيل أن دعبل أنشدها أبا نواس ، فقال له : أحسنت ملء فيك واسماعنا « . وقيل أن مسلم بن الوليد ، أستاذ دعبل ، لم يأذن له بإظهار شعره حتى سمع هذه الأبيات ، فقال له : » اذهب الآن ، فأظهر شعرك كيف شئت « . ثم غنى بها المغنون والجواري . وليست هذه الأبيات من أفضل شعر دعبل ، ولكن الترف العقلي والمادي في أوساط الملوك والأمراء ومن يلوذ بهم من الشعراء ، يوم ذاك ، قد أقام لهذه الأبيات مجدها الذي ترى . ولكن المهم الآن في سيرة دعبل ، ان هذه الحادثة قد فتحت له بابا جديدا في التاريخ ، فإنه منذ بدأت صلته ببلاط الخلافة على هذا النحو ، تعرف سبيله إلى الحياة السياسية ، وأخذ يجد لعقيدته ومذهبه السياسي مدخلا يدخل بهما منه إلى جوانب هذه الحياة العامة يرى فيها المظالم والمساوئ ، ويكشف منها ما يستطيع كشفه انتصارا لعقيدته ورأيه ، ثم انتصارا للناس فيما ينالهم من عنت هذه المظالم والمساوئ . ولكن المؤرخين لم يتعمقوا هذا الأمر من سيرة دعبل ، وأخذوا بالظواهر وحدها ، فإذا هم يرون إلى دعبل يمدح الرشيد ، ثم إذا به يذمه ويهجوه ، ثم يرون إلى أمره كذلك مع المأمون والمعتصم وعبد الله بن طاهر وغيرهم من الملوك والأمراء والوزراء الذين كانت السياسية العامة ودفة نظام الحكم السياسي بأيديهم ، فيسمي المؤرخون هذه الظاهرة من دعبل خيانة « لأولياء نعمته » ، وينسبون إليه عدم الوفاء . وهذا صاحب « الأغاني » مثلا يقول في دعبل أنه « شاعر مطبوع خبيث اللسان لم يسلم عليه أحد من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا أولادهم ولا ذو نباهة ، أحسن إليه أو لم يحسن ، ولا أفلت منه كثير أحد ، وكان من الشيعة المشهورين بالميل إلى علي ص ، ولم يزل مرهوب اللسان وخائف من هجائه للخلفاء ، فهو - دهره كله - هارب متوار » . وهذا صاحب « تاريخ بغداد » يقول فيه أن « أصله من الكوفة ، ويقال من قريقسيا وكان يتنقل في البلاد ، وأقام ببغداد مدة ثم خرج منها هاربا من
--> ( 1 ) الإزار : ما يتستر به ، أو ملحفة .