حسن الأمين

78

مستدركات أعيان الشيعة

الأدلة القوية : أن في العين روايات عن متأخرين ولدوا بعد الخليل بكثير . ثم من الأدلة : أن العين لم يظهر إلا بعد موت الخليل بحوالي ستين سنة ، فلو كان له لكان في أيدي الناس ، ولعلم به العلماء ، وللهج به تلامذة الخليل ، ولروى عنه الأصمعي وابن السكيت وغيرهما ، أما وأن هذا لم يحدث ، فالعين ليس للخليل . هذه أدلة المنكرين ، أما المعتدلون من المنكرين ، فيرون أن الخليل عمل من معجمه كتاب العين وسار على نهجه تلميذه الليث بن المظفر وأكمله ، ويرى بعضهم أن الخليل عمل نصف الكتاب فأكمل الليث نصفه الباقي ، وبعضهم يرى أن الخليل عمله كله ، وحفظ الليث نصفه ، فلما أحرقت النسخة أملى الليث نصفه المحفوظ ، وطلب إلى العلماء أن يكملوا النصف غير المحفوظ . ونحن نسأل : إذا كان الليث صنف العين ، فلما ذا لم ينسبه إلى نفسه رغبة في الفخار والسمعة ؟ لما ذا ينزل عنه للخليل ؟ ويجعل غيره مبتكر علم ومخترع فن ، ويرضى أن يكون تابعا وتلميذا ؟ أما أن الكتاب لم يعلم عنه تلاميذ الخليل فينقضه أن للنضر بن شميل ( 1 ) كتابا اسمه « المدخل إلى كتاب العين » ( 2 ) والنضر من أخلص طلبة الخليل ، فإذا صح أنه منكر العين ، فكيف يؤلف كتابا حوله ، وللمفضل بن سلمة ردود على العين واستدراك ، توفي المفضل سنة 250 ه‍ ، وكان المبرد يرفع من قدر كتاب العين ، ورواه ابن درستويه ، وألف كتابا في الرد على المفضل بن سلمة مؤلف كتاب « استدراك على العين » ولا توجد لأبي إسحاق الزجاجي حكاية في اللغة إلا منه ، وأبو علي القالي البغدادي أتى في كتابه « البارع » بما في العين وزاد عليه . وإنكار نسبة العين إلى الخليل ليس صحيحا ، فهو له حقا ، وإن كان الإجماع لم ينعقد على أنه له ، أما أدلة المنكرين القائمة على أن في العين من الخطا والتصحيف ما لا يتفق مع علم الخليل ، وعلى أن في كتابه روايات عن متأخرين عنه ، وعلى أن مذهب العين يخالف مذهب الخليل ، لأن ما يتصل بالنحو على مذهب الكوفيين ، والخليل بصري ورائد مدرسة البصرة في النحو ، وأن الكتاب لم يظهر إلا في سنة 250 أو حواليها ، فان بعض هذه الأدلة منقوض ، فالخطأ والتصحيف والرواية عن المتأخرين من النساخ ، والذي يدل على أن الكتاب ظهر قبل سنة 250 هأن النضر بن شميل تلميذ الخليل ألف كتابا سماه « المدخل إلى كتاب العين » . ومن ناحية التعليقات لا أستبعد أنها دخلت في صلب العين جهلا من الناسخين فحسبت منه وهي خارجة عنه ، وكذلك القول في الرواية عن المتأخرين . ولعل اختلاف النسخ بعضها عن بعض يقيم الدليل على هذا . أما ما روي من مسائل النحو على مذهب الكوفيين فلعله راجع إلى ما كان من خصومة بين الكوفيين والبصريين مما حمل بعض الكوفيين على التغيير في العين ليكون حجة لهم على البصريين عندما يستدلون على تأييد آرائهم بقول رائد مدرسة البصرة الأول الخليل بن أحمد . كل هذا جائز . وموجز القول : أن العين للخليل ، وأنا مطمئن إلى ذلك كل الاطمئنان ، ويجوز أنه ألفه ولم يستطع إتمامه : فأتمه غيره ، ويجوز أن يكون أتمه كله فأضاف إليه الناسخون ما وجدوا من تعليقات وروايات عن متأخرين أدخلوها على متن الكتاب جهلا منهم ، وقد أثبت الدكتور عبد الله درويش - في رسالته التي ألفها عن كتاب العين والتي قدمها لجامعة لندن ونال بها إجازة الدكتوراه - أن العين للخليل . ( 3 ) السيد خليفة بن السيد علي بن السيد أحمد بن السيد محمد بن السيد علي بن السيد حاجي بن السيد محمد الموسوي الرضوي الأحسائي النجفي . ولد في الأحساء حدود سنة 1195 هوتوفي سنة 1265 ه‍ . جد سادات آل خليفة في النجف الأشرف كان من أكابر مشاهير علماء عصره كثير البحث والمطالعة واستنساخ الكتب . نشا في الأحساء فقرأ فيها المقدمات والسطوح على جملة من فضلائها منهم السيد عبد القادر بن حسين التوبلي البحراني ثم هاجر إلى كربلاء وتخرج في الفقه والأصول على السيد علي الطباطبائي الحائري المتوفى سنة 1231 هوعلى غيره وسكن النجف الأشرف وأسس هناك مكتبة عظيمة حوت المئات من النفائس وكان جماعا للكتب وله ولع شديد في اقتنائها وأفنى عمره في جمعها ، وبقيت المكتبة بعده في أيدي أولاده . ووصف المكتبة الدكتور علي نقي المنزوي في طبقات اعلام الشيعة فقال : مكتبة خليفة الأحسائي مكتبة عائلية أسسها السيد خليفة بن علي بن أحمد الأحسائي وبعده انتقلت إلى أكبر أولاده محمد الامام في البصرة وبعد وفاته « 1281 » انتقلت إلى ولده محمد علي وبعد وفاته سنة 1305 هانتقلت إلى ولده عبد الله آل خليفة ( 1300 - 1374 ه‍ ) قال والدي صاحب الذريعة في الكرام البررة ج 2 ص 505 وفي سنة 1371 هباع السيد عبد الله المكتبة بالنجف بثمن [ يخس ] بخس في الهرج ولكني استفدت قبل ذلك وفحصت المخطوطات بها وسجلت ما تمكنت من ذلك . ترك المترجم له مؤلفات منها كتاب في التجويد وكتاب في أصول الدين وتلخيص كتاب الرياض لأستاذه السيد علي الطباطبائي الحائري . ( 4 ) دعبل الخزاعي : مرت ترجمته في المجلد السادس ، وننشر هنا عنه هذه الدراسة وهي بقلم الدكتور حسين مروة : هذا شاعر يصح أن نعده في شعراء العقيدة من تاريخنا الأدبي ، وذلك أنه كان صاحب مذهب في عهد بني العباس ، ويبدو من سيرته أنه كان يلائم بين سلوكه في شعره وبين عقيدته ومذهبه السياسي هذا . فقد ولد دعبل بن علي الخزاعي عام 148 هجرية ، في خلافة المنصور العباسي ، في قرية تدعى الطيب - كما في تاريخ بغداد ، وهي قرية بين واسط والأهواز ، ونشا في الكوفة ، وقيل أنه خزاعي بالولاء وإن جده « رزين » كان مولى عبد الله بن خلف الخزاعي والد طلحة الطلحات ، ولكن هذا قول ينقضه كثير من الشواهد في شعره وفي سيرته ، وقد شهد أبو دلف أمام الخليفة المأمون بان دعبلا من خزاعة بالنسب ، لا بالولاء كما يزعم هذا القول . « دعبل » لقبه ، لا اسمه ، وقيل أن اسمه الحقيقي « الحسن » ، ونقل عن ابن أخيه إسماعيل بن علي أن اسمه « عبد الرحمن » ، وقيل أن اسمه « محمد » وفي تاريخ بغداد أنه لقب ب « دعبل » لدعابة فيه ، ويكنى « أبا علي » . وقد ولد الشاعر ونشا على عقيدة العلويين ، وكان أهل هذه العقيدة ، في العهد العباسي ، كما كانوا في العهد الأموي ، من ذوي المذاهب السياسية الحاملة عبء المعارضة للحاكمين ، وكانوا - لذلك - يحتملون النصيب الأوفر من ألوان الاضطهاد السياسي . وكان من طبيعة هذا الوضع الذي كان عليه العلويون أن أتاح لكثير من رجال الفكر والأدب والعلم منهم ، أن يكونوا على صلة باحساس الشعب ، وأن يكونوا على معرفة بمواطن الظلم الاجتماعي في الأوساط الشعبية

--> ( 1 ) توفي سنة 203 ه‍ . ( 2 ) البغية 405 . ( 3 ) مقدمة الصحاح . ( 4 ) الشيخ عبد الحسين الصالحي .