حسن الأمين
77
مستدركات أعيان الشيعة
فالأزهري يقول في مقدمة التهذيب عن أقوام يصفهم بقوله : « تسموا بسمة المعرفة وعلم اللغة وألفوا كتبا أودعوها الصحيح والسقيم ، وحشوها بالمزال المفسد ، والمصحف المغير الذي لا يتميز ما يصح منه مما لا يصح ، إلا عند الثقات » وذكر من هؤلاء : « الليث بن المظفر الذي نحل الخليل بن أحمد تأليف كتاب العين جملة لينفقه باسمه ، ويرغب فيه من حوله » . ( 1 ) وعن ابن راهويه : « كان الليث صاحب الخليل بن أحمد رجلا صالحا وكان الخليل عمل من كتاب العين باب العين وحده ، وأحب الليث أن ينفق سوق الخليل فصنف باقي الكتاب وسمى نفسه الخليل ، وقال لي مرة أخرى : فسمى لسانه الخليل من حبه للخليل بن أحمد ، فهو إذا قال في الكتاب : قال الخليل بن أحمد ، فهو الخليل ، وإذا قال : وقال الخليل مطلقا فهو يحكي عن نفسه ، فكل ما في الكتاب من خلل فإنه منه لا من الخليل « . ( 2 ) . وقال السيرافي : « عمل أول كتاب العين المعروف المشهور الذي به يتهيأ ضبط اللغة . » . ( 3 ) وقال ابن المعتز : « كان الخليل منقطعا إلى الليث ، فلما صنف كتابه العين خصه به ، وحظي عنده جدا ، ووقع منه موقعا عظيما ، ووهب له مائة ألف درهم ، وأقبل على حفظه وملازمته ، فحفظ منه النصف ، وكانت تحبه ابنة عمه ، واتفق أنه اشترى جارية نفيسة فغارت ابنة عمه فأحرقت الكتاب ، فلما علم اشتد أسفه ، ولم تكن عنده نسخة منه ، وكان الخليل قد مات فاملى النصف من حفظه ، وجمع علماء عصره وأمرهم أن يكملوه على نمطه ، وقال لهم : مثلوا عليه واجتهدوا ، فعملوا هذا التصنيف الذي بأيدي الناس » . ( 4 ) وقال ثعلب : « إنما وقع الغلط في كتاب العين لأن الخليل رسمه ولم يحشه ، ولو كان هو حشاه ما بقي فيه شيء ، لأن الخليل رجل لم ير مثله ، وقد حشا الكتاب أيضا قوم علماء إلا أنه لم يؤخذ منهم رواية ، وإنما وجد بنقل الوراقين ، فاختل الكتاب » . ( 5 ) وقال أبو بكر محمد بن حسن الزبيدي اللغوي مؤلف مختصر العين في أول كتابه : « ونحن نريا بالخليل عن نسبة هذا الخلل إليه ، أو التعرض للمقاومة له والرد عليه ، بل نقول : إن الكتاب لا يصح له ، ولا يثبت عنه فقد كان جلة البصريين الذين أخذوا عن أصحابه وحملوا علمه من رواته ينكرون هذا الكتاب ويدفعونه ، إذ لم يرد إلا عن رجل واحد غير معدود في أصحابه ، وأكبر الظن فيه أن الخليل سبب أصله ، ورام تثقيف كلام العرب ، ثم هلك قبل كماله ، فتعاطى إتمامه من لا يقوم في ذلك مقامه ، فكان ذلك الخلل الواقع به ، والخطا الموجود فيه » . ( 6 ) لغة . « ومن الدليل على ما ذكره أبو العباس ( 7 ) من زيادات الناس فيه اختلاف نسخه ، واضطراب رواياته ، إلى ما وقع فيه من الحكايات عن المتأخرين ، والاستشهاد بالمرذول من أشعار المحدثين ، فهذا كتاب منذر بن سعيد القاضي الذي كتبه بالقيروان ، وقابله بمصر بكتاب ابن ولاد ، وكتاب ابن ثابت المنتسخ بمكة قد طالعناهما ، فألفينا في كثير من أبوابهما : أخبرنا المسعري عن أبي عبيد ، وفي بعضها : قال ابن الأعرابي ، وقال الأصمعي ، هل يجوز أن يكون الخليل يروي عن الأصمعي وابن الأعرابي وأبي عبيد فضلا عن المسعري » . « وكيف يروي الخليل عن أبي عبيد وقد توفي الخليل سنة سبعين ومائة ، وفي بعض الروايات سنة خمس وسبعين ومائة ، وأبو عبيد يومئذ ابن ست عشرة سنة ، وعلى الرواية الأخرى : ابن إحدى وعشرين سنة ، لأن مولد أبي عبيد سنة أربع وخمسين ومائة ، ووفاته سنة أربع وعشرين ومائتين ، ولا يجوز أن يسمع عن المسعري علم أبي عبيد إلا بعد موته ، وكذلك كان سماع الخشني منه سنة سبع وأربعين ومائتين ، فكيف يسمع الموتى حال موتهم ، أو ينقلون عمن ولد بعدهم » . ( 8 ) ويقول الزبيدي أيضا : « ومن الدليل على صحة ما ذكرناه أن جميع ما وقع فيه من معاني النحو إنما هو على مذهب الكوفيين ، وبخلاف مذهب البصريين ، فمن ذلك ما بدئ الكتاب به ، وبني عليه من ذكر مخارج الحروف في تقديمها وتأخيرها ، وهو على خلاف ما ذكره سيبويه عن الخليل في كتابه ، وسيبويه حامل علم الخليل ، وأوثق الناس في الحكاية عنه ، ولم يكن ليختلف قوله ، ولا ليتناقض مذهبه ، ولسنا نريد تقديم حرف - خاصة - للوجه الذي اعتل به ، ولكن تقديم غير ذلك من الحروف وتأخيرها ، وكذلك ما مضى عليه الكتاب كله من إدخال الرباعي المضاعف في باب الثلاثي المضاعف - وهو مذهب الكوفيين خاصة - وعلى ذلك استمر الكتاب من أوله إلى آخره . ولو أن الكتاب للخليل لما أعجزه ولا أشكل عليه تثقيف الثنائي الخفيف من الصحيح والمعتل ، والثنائي المضاعف من المعتل ، والثلاثي المعتل بعلتين ، ولما جعل ذلك كله في باب سماه اللفيف ، فادخل بعضه في بعض ، وخلط فيه خلطا لا ينفصل منه شيء عما هو بخلافه ، ولوضع الثلاثي المعتل على أقسامه الثلاثة ليستبين معتل الياء من معتل الواو والهمزة ، ولما خلط الرباعي والخماسي من أولهما إلى آخرهما . ونحن على قدرنا قد هذبنا جميع ذلك في كتابنا المختصر منه ، وجعلنا لكل شيء منه بابا يحصره ، وعددا يجمعه ، وكان الخليل أولى بذلك وأجدر ، ولم نحك فيه عن الخليل حرفا ، ولا نسبنا ما وقع في الكتاب عنه توخيا للحق ، وقصدا إلى الصدق ، وأنا ذاكر الآن من الخطا الواقع في كتاب العين ما لا يذهب على من شدا شيئا من النحو ، أو طالع بابا من الاشتقاق والتصريف ، ليقوم لنا العذر فيما نزهنا الخليل عنه . لقد أطلنا في ذكر الشواهد ، ووقفنا طويلا عند أقوال الزبيدي لنخلص من كل ذلك إلى إعطاء صورة دقيقة صادقة لأدلة المنكرين الغلاة والمنكرين المعتدلين . فابن النديم يذكر بوضوح أن العين ليس للخليل ، والقالي يذكر أن أبا حاتم وأصحابه أنكروا العين ولا يعرفونه ولم يسمعوا به . فأول الأدلة على إنكار نسبة العين إلى الخليل : القول جملة بالإنكار ، إلا أن الزبيدي أضاف - كما ذكر غيره - أدلة جديدة ذات قيمة في نظر النقد والعلم ، فالخليل بصري ، وسيبويه - حامل علم - الخليل شيخ نحاة البصرة وإمام مدرسة البصريين ، وما في العين مما يتصل بالنحو على مذهب الكوفيين ، فكيف يتفق للخليل - وهو شيخ إمام مدرسة البصرة - أن يترك مذهبه إلى مذهب آخر يختلف عنه . إن هذا الدليل من أقوى الأدلة ، فإذا اعتمدنا عليه في نفي نسبة العين إلى الخليل كان هو نفسه قائما في نفي نسبة العين إلى الليث بن المظفر ، لأنه ظل للخليل وتابع له في آرائه ومذهبه . ثم من الأدلة : أن في العين أوهاما وسقطات شنيعة وغلطات معيبة لا تصدر من طلبة الخليل ، وهذا ما حمل العلماء على الشك في نسبته إليه ، ومن
--> ( 1 ) مقدمة تهذيب اللغة للأزهري مخطوطة مكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة . ( 2 ) المزهر 1 : 78 ( 3 ) المزهر 1 : 76 . ( 4 ) معجم الأدباء 17 : 46 . ( 5 ) المزهر 1 : 78 . ( 6 ) خطبة المختصر مخطوطة الدار رقم 386 ( 7 ) يقصد ثعلبا في قوله الذي مر الاستشهاد به . ( 8 ) المزهر 1 : 83 - 84 .