حسن الأمين

61

مستدركات أعيان الشيعة

بها جباههم وجنوبهم وظهورهم « واستمر في دعايته وإثارته هذه للفقراء ضد الأغنياء ، حتى تبلورت حركة جماهيرية عمادها الفقراء ، ثم استمر الأمر في التصاعد حتى أخذ هؤلاء الفقراء بزعامة أبي ذر ينفذون أفكارهم وآراءهم بأيديهم ، ويضعون تعاليم أبي ذر في التطبيق والممارسة رغما عن سلطة الدولة وجهاز حكم معاوية بن أبي سفيان . . وابن الأثير يذكر ذلك بقوله : « ما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء وشكا الأغنياء ما يلقون منهم » . وسلك معاوية مع أبي ذر سبيل التهديد ، وقال له : يا أبا ذر « خير لك أن تنتهي عما أنت فيه ! » ولكن الرجل لم يعبا بهذا التهديد وقال لمعاوية : « والله لا أنتهي حتى توزع الأموال على الناس كافة ؟ ! » . . وعند ذلك لجا معاوية إلى حيلة أخرى أراد بها أن يفسد ما بين أبي ذر وبين أنصاره وحزبه من الفقراء ، وذلك في محاولة لإيهامهم أن الرجل ممن يتلقى منه الهدايا والصلات ، فبعث في جنح الظلام أحد رسله يحمل ألف دينار لأبي ذر . وفي الصباح ، بعث إليه ثانية نفس الرسول يخبره أن العطاء لم يكن له ، وأنه قد أخطا الطريق إليه ، ويقول له : يا أبا ذر « أنقذ جسدي من عقاب معاوية ، فإنه أرسلني إلى غيرك ، وإني أخطات بك » . . ولكن أبا ذر كان قد أنفق الدنانير الألف على الفقراء قبل أن يطلع عليها عنده الصباح - فطلب من رسول معاوية التأخير ثلاثة أيام حتى يجمعها له ممن أخذوها من الفقراء . . وعند ما عاد الرسول إلى معاوية بالقصة ، أدرك أن الرجل عصي على أن تنال منه هذه الأساليب ، وذلك لأن « فعله يصدق قوله » في قضايا الأموال والثروات . وعند ذلك قر قراره على ضرورة إخراجه من الشام ، فكتب إلى عثمان يصور له حال أبي ذر مع الفقراء ، وكيف أصبحت الشام في حالة ثورة حقيقية ، فقال : « إن أبا ذر قد ضيق علي . . وقد كان كذا وكذا ، للذي يقوله الفقراء . . تجتمع إليه الجموع ، ولا آمن أن يفسدهم عليك . فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك ؟ ! » . . فاستجاب عثمان لرجاء معاوية مخافة الثورة - ( الفتنة ) - في الشام ، ووافق على عودة أبي ذر ثانية إلى المدينة وهو الذي طلب منه الخروج منها . . وكتب إلى معاوية يطلب معالجة الأمر برفق ، فالثورة التي أشعلها أبو ذر على وشك الاندلاع ، فقال : « إن الفتنة قد أخرجت خطمها - ( أنفها ) - وعينيها ، ولم يبق إلا أن تثب ، فلا تنكأ القرح . . وكفكف الناس ونفسك ما استطعت . . ! ! » . . وطلب عثمان من معاوية أن يجهز أبا ذر ، وأن يبعثه إلى المدينة بصحبة « مرافق » ؟ ! . . واتخذ معاوية من أمر عثمان سبيلا للانتقام من أبي ذر ، فاركبه بعيرا ضامرا على ظهره فراش يابس يدمي فخذي الراكب - « قتب يابس » - وأوصى به خمسة من الجنود الصقالبة ذوي المهارة في العدو ومسابقة الريح « يطيرون به ، حتى أتوا المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه ، وكاد أن يتلف . . ! ! » . . وأراد كذلك أن يسيء إلى سمعة الرجل ونزاهته ، فأخرج أهله ليلحقوا به ، وفي متاعهم جراب ثقيل يشد يد حامله ، وجمع الناس ليروا أهل أبي ذر ، حتى يوهمهم أن في متاع الرجل أموالا يحملها ذووه ، وقال للحضور : « انظروا إلى هذا الذي يزهد في الدنيا ؟ ! . ما عنده ؟ ؟ ! ! » ولكن امرأة أبي ذر خاطبت الناس قائلة : إن ما نحمل ليس دراهم ولا دنانير ، ولكنها « فلوس » - ( فكة ) بلغة عصرنا - كان أبو ذر يعطيها لبيته من عطائه الذي يناله من بيت مال المسلمين . وعند ما لقي الناس أبا ذر بالمدينة ، وهو على حافة الموت من رحلته القاسية هذه ، قال له بعضهم لا « إنك تموت من ذلك » ، ولكن الرجل أنكر عليهم هذه النبوءة بالنهاية القريبة ، وقال لهم إن طريق الجهاد لا يزال طويلا أمامه : « هيهات . . لن أموت حتى أنفى ؟ ! » ثم ذكر لهم أن أمامه من المتاعب أكثر من ذلك الذي وقع به حتى الآن ! . . . ( 1 ) في المدينة . . مرة ثانية حاول عثمان أن يخفف عن أبي ذر ، فاستضافه في داره عدة أيام ، وأحسن إليه فيها ، حتى استرد شيئا من عافيته . . وكان عثمان يرجو ويأمل أن يفتح بذلك صفحة جديدة مع أبي ذر . . ولكن ذلك لم يحدث ، فلقد تجدد النزاع وبدأ الصراع من جديد . . ففي أول جولة لأبي ذر في المدينة بعد عودته إليها رأى تلك المباني الفخمة التي استحدثها الأغنياء في شكل دور وقصور ، ورأى امتدادات المباني وقد صنعت « ضواحي » للعاصمة ، يسكنها هؤلاء الذين كانت حياتهم الجديدة موضع نقده السديد . وعند ما تحقق أبو ذر أن المباني الجميلة لقصور الأغنياء قد بلغت إلى مكان « جبل سلع » قفزت إلى ذاكرته نبوة الرسول ع ، التي قال فيها لأبي ذر إن ذلك سيكون إيذانا باختلافه مع القوم ، وإنكاره عليهم نمط حياتهم الجديدة ، وتوالي الأحداث التي ستفضي به إلى منفاه حيث « يموت وحده » . . فاخذ أبو ذر في الطواف على مجتمعات العاصمة ، محذرا قائلا : « بشر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار ؟ ! » . . وقرر الرجل أن يكرر بذل النصح لعثمان ، فدخل عليه يوما « فجلس على ركبتيه » ، وأخذ يحدث عثمان عن تلك النبوءة التي طالما حذرت من صنيع بني أمية إذا اجتمع لهم الأمر وزادت قوة عصبيتهم ، وبلغ « ولد أبي العاصي ثلاثين رجلا » لأنهم عند ذلك سيتخذون « عباد الله خولا » - ( خدما ) - . ووجد عثمان أن أبا ذر قد عاد إلى عهده القديم ، وأنه قد أصبح يمارس في المدينة ما كان يمارسه فيها قديما ، وما مارسه في الشام من الإثارة والتحريض ، ففتح معه الحديث عن ما أحدثه بالشام ، وقال له : يا أبا ذر « ما لأهل الشام يشكون ذرب لسانك ؟ » وعند ما أخبره أبو ذر بدوافعه إلى موقفه هذا . . قال عثمان : « يا أبا ذر ، علي أن أقضي ما علي وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد والاقتصاد وما علي أن أجبرهم على الزهد . . » . . ولكن أبا ذر لم يرض بقول عثمان هذا ، فلم يكن الأمر في نظره أمر « زهد » لا يستطيع الخليفة أن « يجبر » الناس عليه ، وإنما كان أمر أغنياء يزدادون غنى وفقراء يتسبب في فقرهم هؤلاء الأغنياء ، وأمر حقوق لهؤلاء الفقراء في أموال الأغنياء تتعدى مقدار الزكاة ، فقال لعثمان : إنني أرى « ألا ترضوا من الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا إلى الجيران والاخوان ويصلوا القربات » . وتصادف في لقاء أبي ذر هذا مع عثمان أن أحضرت إلى عثمان أكياس النقود التي أخذت من تركة عبد الرحمن بن عوف الزهري ، وكانت عظيمة بلغت من الكثرة حدا جعلها تحجب الرؤية بين عثمان وجلسائه . . ودار الحديث من حول هذه الثروة التي جمعها ابن عوف ، ومدى تطابق سلوكه هذا مع السلوك النموذجي لصحابة رسول الله ص . . وانحاز عثمان ومعه « كعب الأحبار » إلى صف الدفاع عن عبد الرحمن بن عوف ، لأنه كان يؤدي فريضة الزكاة « ومن أدى الفريضة فقد قضى ما عليه » . . واعترض أبو ذر على موقفهم هذا ، وعند ما أمن « كعب الأحبار » على قول عثمان : إن الله قد أعطى لابن عوف خير الدنيا والآخرة ، فقال : « صدقت يا أمير المؤمنين » ، غضب أبو ذر ، وتحامل على آلامه ، ورفع عصاه فضرب بها رأس « كعب الأحبار » وقال له : « يا بن اليهودي » ، تقول لرجل مات وترك هذا المال : إن الله أعطاه خير الدنيا والآخرة ؟ ! وتقطع على الله بذلك ؟ ! وأنا سمعت

--> ( 1 ) الكامل ، في التاريخ ، ج 3 ، ص 55 ، 56 ومروج الذهب ج 2 ، ص 349 .