حسن الأمين

62

مستدركات أعيان الشيعة

النبي ص يقول . « ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطا » ؟ ! فغضب عثمان من أبي ذر ، واسترضى خاطر كعب الأحبار وطلب منه التنازل له عن ضرب أبي ذر له ، ففعل . . ثم طلب ، غاضبا ، من أبي ذر أن يغادر المدينة ، قائلا له : « وار عني وجهك ! ! . . » فقال أبو ذر : أسير إلى مكة ؟ قال : لا والله . قال : فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت ؟ ! قال : أي والله . قال : فإلى الشام ؟ قال : لا والله . قال : البصرة ؟ قال : لا والله ، فاختر غير هذه البلدان . قال : لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك ، ولو تركتني في دار هجرتي ( المدينة ) ما أردت شيئا من البلدان ، فسيرني حيث شئت من البلدان . فقال : فاني مسيرك إلى الربذة « . . ( 1 ) ورواية المسعودي هذه تختلف مع ابن الأثير . . ففيها ان عثمان هو الذي حدد لأبي ذر مكان منفاه ، أما ابن الأثير فإنه يمثل وجهة النظر التي ترى أن أبا ذر هو الذي اختار لنفسه هذا المكان ، وهو الذي « نفي نفسه اليه » احتجاجا على الأوضاع التي ثار عليها . . وملابسات القضية وقرائن أحوالها تشهد لرواية المسعودي ضد ابن الأثير ، وذلك لأسباب منها : أولا : إن تسلسل الأحداث التي جرت بين أبي ذر وعثمان في المدينة أولا ، وفي الشام مع معاوية ، ثم في المدينة ثانيا . . كلها تحكي أن أبا ذر كان يجبر - وأحيانا بالقوة القاهرة - على مغادرة المكان الذي يمارس فيه الموعظة والإثارة والتحريض . وثانيا : إن شخصية أبي ذر النضالية ليست بالتي تنسحب من بين الناس إلى مكان منعزل في الصحراء ، حتى ولو كان هذا الانسحاب تعبيرا عن الاحتجاج والغضب والرفض لنمط الحياة الذي أخذ يسود في ذلك الحين . . فلقد كان الرجل ولوعا بجماهير الفقراء ، كما ولعت به هذه الجماهير . وثالثا : إن الربذة « كانت قرية معزولة عن قرى المدينة ، ولم تكن الحياة بها مرغوبة ولا محبوبة ، حتى لزاهد مناضل كأبي ذر . ولقد روى ابن الأثير نفسه أن أبا ذر كان يخشى على نفسه من العيش في « الربذة » أن يرتد - بفعل بيئتها - أعرابيا قد انسلخ عنه التطور الذي ألحقه الإسلام بعقول الناس وحياتهم ، فكان يتردد على المدينة حتى يظل على صلة بحضارتها . . وعبر ابن الأثير عن هذا الموقف بقوله : « وكان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابيا ! » . ولقد تلقى أبو ذر قرار عثمان هذا ببشر يعبر عن التحدي . . وأخبر عثمان بان الرسول ص قد تنبأ له بهذا المصير . . ولقد أمر عثمان الناس في المدينة بتجنب أبي ذر حتى يغادرها ، وأن يتجافوه ، فلا يخرج أحد منهم لوداعه ، وأمر أحد أقاربه ( مروان ) أن يكون في صحبة أبي ذر وابنته حتى يوصلهم إلى مستقرهم الجديد . ولكن بعض الصحابة قد غضبوا من موقف عثمان هذا ، فخرج نفر منهم خلف علي بن أبي طالب ، وفيهم الحسن والحسين ، وعقيل بن أبي طالب ، وعبد الله بن جعفر ، وعمار بن ياسر - لوداع أبي ذر ، مخالفين بذلك أمر عثمان . . وعند ما التقى ركب علي بن أبي طالب هذا بركب أبي ذر ، اعترض عليهم « مروان » فقال : يا علي ، إن أمير المؤمنين ، قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه ، فان كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك . . فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط ، وضرب بين أذني راحلته ، وقال : تنح نحاك الله إلى النار ! ، ومضى مع أبي ذر فشيعه ، ثم ودعه وانصرف . . فلما أراد الانصراف بكى أبو ذر تأثرا ، وهو يبصر غياب ركب ابن عم الرسول ! ! . وذهب « مروان » فشكا إلى عثمان ما فعله به علي بن أبي طالب ، فغضب عثمان ، وشكا إلى من حضر مجلسه من المسلمين قائلا : « يا معشر المسلمين . . من يعذرني من علي ؟ ! رد رسولي عما وجهته له ، وفعل كذا ؟ ! والله لنعطينه حقه ! ! » . . وذهب الناس من عند عثمان إلى علي يخبرونه بغضبه عليه ، فوصف علي هذا الغضب بأنه « غضب الخيل على اللجم » . معللا بذلك موقفه من القضية برمتها ، وكيف أن موقفه إنما هو موقف الناصح الأمين ، وفعله إنما هو فعل « اللجم » تمنع الخيل من الجموح ، فتحفظ للخيل سلامتها ! . ويروي المسعودي قصة اللقاء العاصف بين علي وعثمان حول هذا الموضوع ، وهو اللقاء الذي اشتكى بعده عثمان من علي وقال : « إنه يعيبني ويظاهر من يعيبني » . . وظل علي على موقفه ، وقال لعثمان : « ما أردت بتشييع أبي ذر إلا الله تعالى » . وأخيرا استقر المقام بالثائر الكبير والصحابي الجليل ، وأصدق الناس لهجة ومقالا في « الربذة » منفاه الجديد والأخير ، ولم يعدم الأمر قافلة تمر فيلقاه ركبها ليسمع منهم ويسمعون عنه . . فبنى « بالربذة » مسجدا ، وهناك عاش من سنة 30 هحتى توفي في سنة 32 ه‍ ، محققا بذلك نبوة رسول الله ص عندما قال : يرحم الله أبا ذر ، يعيش وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده « . . ومحققا بذلك أيضا نموذج الإنسان المسلم الذي استطاع أن يوحد توحيدا نموذجيا ، ويمزح مزجا رائعا ما بين سلوكه العملي في الحياة والأفكار التي آمن بها والتي دعا إلى تطبيقها في هذه الحياة . السيد جواد بن إبراهيم بن محسن الحسيني الرامسري : ولد في جمادى الثاني 1250 في رامسر وتوفي في رامسر بعد سنة 1306 . ولد في تشبرسر من ضواحي رامسر ونشا بها ثم بدأ بقراءة المقدمات وبعد ذلك هاجر إلى أصفهان وانشغل بتعلم الفلسفة والطب حتى أصبح طبيبا ماهرا ثم رجع إلى موطنه وانشغل بالطبابة والتأليف ومن مؤلفاته : 1 - رسالة في علاج مرض الطاعون . 2 - شرح أطعمة المرضى لأبقراط . 3 - رسالة في شرح ماهية الوجود في الفلسفة لم يتم . 4 - رسالة في تقويم الأبدان . 5 - رسائل متفرقة في الطب . وكان له عدة أولاد منهم السيد حسن الحكيم . ( 2 ) الشيخ جواد بن الشيخ علي بن الشيخ محمد « حميد » بن الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر : توفي ليلة الأحد الخامس والعشرين من صفر سنة 1355 ودفن في

--> ( 1 ) مروج الذهب ج 2 ، ص 349 ، 350 . ( 2 ) الشيخ محمد السمامي .