حسن الأمين
58
مستدركات أعيان الشيعة
العربية : مصر ، والشام ، والعراق . . وجاءت إلى عاصمة الدولة كنوز القياصرة والأكاسرة ، وفيها أكوام من التحف والعملات الذهبية التي ذهل لمرآها كثيرون من الصحابة . ويبدو أن الفرع الأموي ، بزعامة أبي سفيان ، قد رأى في تولي عثمان الخلافة فرصة طالما انتظروها كي تعود لهم المكانة الأولى التي فقدوها منذ ظهور الإسلام على يد محمد بن عبد الله ، من الفرع الهاشمي الفقير من بني عبد مناف . . ولقد ذكر عمار بن ياسر أنه قد حدث « عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ، ودخل داره ، ومعه بنو أمية » أن قال لهم أبو سفيان ، وكان قد كف بصره : « أفيكم أحد من غيركم ؟ . . قالوا : لا . . قال : يا بني أمية ، تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ، ما زلت أرجوها لكم ، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة ، ونمي هذا القول إلى المهاجرين والأنصار . « فهو إذا انقلاب سياسي قد حدث ، طالما رجاه وانتظره أبو سفيان وبنو أمية ، وهي إذا بداية حقبة من الحكم الأموي يعدون أنفسهم لتلقفه كالكرة حتى تصير ملكا وراثيا يتولاه الصبيان . . لقد سنحت لهم الفرصة ، ورأوا في شخصية عثمان المناخ المناسب كي يحققوا ما يريدون . . ولذلك كان حكم هذا الخليفة بداية لأحداث وتطورات استحدثت في الحياة الاجتماعية الإسلامية ، سعى إليها البعض واغتنمها البعض وناضل ضدها البعض الآخر ومن ثم كانت الصراعات التي برز فيها أبو ذر الغفاري وكانت » الفتنة « ( الثورة ) التي شهدها آخر عهد عثمان بن عفان . . فلقد انتشر كثير من الصحابة ، في الأمصار ، وأقطعهم عثمان مساحات من الأرض التي كانت ملكية عامة لبيت مال المسلمين ، فوزعت عليهم الأرض التي كانت مملوكة لكسرى وقيصر والأمراء والقواد الذين حاربوا ضد الفتح العربي لهذه البلاد ، وهي التي كانت تسمى أرض » الصوافي « ، وكان دخلها على عهد عثمان 000 ، 000 ، 50 درهم ، كما كان عثمان أول من أقطع أرض العراق . وتغير حال العمال والولاة ، فاستخدم عثمان الكثير من أقربائه ، وحتى الذين كانوا يعملون على عهد عمر لم يعودوا يخشون شدة عمر ، واستبدوا بالأمر من دون عثمان . ومن حديث لعلي بن أبي طالب ، عشية الثورة على عثمان يعيب عليه في ضعفه إزاء الولاة والعمال ، يقول له فيه : « إن عمر كان يطأ على صماخ من ولى . . إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى العقوبة ، وأنت لا تفعل ، ضعفت ورققت على أقربائك » ، وعند ما يقول له عثمان ، « وهم أقرباؤك أيضا » ؟ ! يقول له علي : « أجل . . إن رحمهم مني لقريبة ، ولكن الفضل في غيرهم ! » وعند ما يعترض عثمان ويحتج بأنه قد ولى معاوية بعد أن ولاه عمر من قبل ، يرد علي قائلا : « أنشدك الله ! ! هل تعلم أن معاوية كان أخوف لعمر من » يرفا « ، غلام عمر له ؟ ! أما الآن » فان معاوية يقتطع الأمور دونك ، ويقول للناس : هذا أمر عثمان ، وأنت تعلم ذلك فلا تغير عليه ؟ ! « . ( 1 ) وانعكست هذه التطورات السياسية والإدارية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لدى عدد كبير من الولاة والصحابة والعمال . . فسعيد بن العاص والي عثمان على الكوفة ، يسير في الناس سيرة منكرة ، ويستبد بالأموال دونهم ، ويقول عن أرض العراق إنها بستان قريش ؟ ! فيعترض عليه الأشتر مالك بن الحارث النخعي قائلا : « أتجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفنا ومراكز رماحنا بستانا لك ولقومك ؟ ! » . وتتبدى مظاهر الثراء والبذخ على عدد كبير من الصحابة ، فالزبير بن العوام يبني له عدة دور فخمة بالبصرة ، والكوفة ، ومصر ، والإسكندرية ، وعند ما تحضره الوفاة يحصون في ثروته 000 ، 50 دينار ، وألف فرس ، وألفا من العبيد والإماء . . إلى آخره . . وطلحة بن عبيد الله [ التميمي ] التيمي يبتني لنفسه هو الآخر إحدى الدور الفخمة بالكوفة وأخرى بالمدينة يشيدها « بالآجر والجص والساج » ، ويبلغ دخله من ممتلكاته بالعراق وحدها ألف دينار في اليوم الواحد ؟ ! « وقيل أكثر من ذلك ، وبناحية » الشراة « أكثر مما ذكرنا » ! ! وعبد الرحمن بن عوف الزهري ، تصبح ثروته مضرب الأمثال « فعلى مربطه مائة فرس ، وله ألف بعير ، وعشرة آلاف شاة من الغنم » وعند ما توفي قدرت ثروته بأكثر من مليونين ونصف من الدراهم ، ولقد بلغ حجم القدر الذي أحضر منها إلى عثمان بن عفان في « البدر » و « الأكياس » قدرا من العظم جعله يحجب رؤية عثمان عن الرجل الواقف أمامه ؟ ! . ويذكر سعيد بن المسيب أنه قد كان في ثروة زيد بن ثابت - وكان من المدافعين عن عثمان حين ثار الناس عليه - يوم مات « من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤس ، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار » . أما يعلى بن منية فإنه يخلف في تركه 000 ، 500 دينار ، تضاف إليها عقارات وديون له على الناس تقوم بمبلغ 000 ، 300 دينار ؟ ! . ويشيع في المدينة بناء الدور الفخمة الحديثة ، ويتخذون لها الأماكن الجميلة من « الضواحي » فعلى بعد أميال من المدينة يبني « المقداد » - « بالجرف » دارا ، « مجصصة الظاهر والباطن » ، ويجعل في « أعلاها شرفات » ، ويصنع مثله « بالعقيق » ، « سعد بن أبي وقاص » . ويحصون لعثمان ، يوم مقتله « عند خازنه من المال خمسين ومائة ألف دينار ( 000 ، 150 ) ، وألف ألف درهم » ( 000 ، 000 ، 1 ) وذلك غير قيمة « ضياعه بوادي القرى وحنين » ، تلك التي قدرت بمبلغ 000 ، 100 دينار ، هذا عدا الخيل والإبل وغيرها من الممتلكات والمقتنيات . ونحن [ نود ] نورد قبل أن ننتقل للحديث عن أثر هذه التحولات المستحدثة في المجتمع الإسلامي ، أن ننبه إلى أن صحبة هؤلاء الرجال لرسول الله ص ، وسبق الكثير منهم إلى الإسلام ، وبلاءهم الحسن في نشر الإسلام وإقامة دعوته ، لم يكن له أن يمنع سعيهم هذا الذي حدث في سبيل الدنيا ، لأن النفس البشرية عندما تتاح لها الفرصة لذلك دونما مانع من القانون ورادع من النظام ، فقلما تحجم عن السعي في هذا الطريق . . . ومن ثم استباح الكثيرون لأنفسهم وستحلوا هذا النمط من أنماط الحياة . . ولقد كانت للقوم شبهة حل تجعل لهم هذا الأمر مباحا لا حرج عليهم فيه . . يشهد لذلك قول عثمان بن عفان عن عبد الرحمن بن عوف عندما أحضر له ما أحضر من أكياس دنانيره ودراهمه بعد وفاته : « إني لأرجو لعبد الرحمن خيرا ، لأنه كان يتصدق ، ويقري الضيف ، وترك ما ترون » . . أي أنه قد كانت هناك وجهة نظر تمثل موقفا فكريا يرى أنه لا حرج على الناس ولا على ضمائرهم من السعي في هذا السبيل ، وأن التقوى والايمان لن ينقص منهما جمع الأموال ، بشرط أن يتصدق أصحابها ويكرموا الضيوف ويبذلوا منها قدرا معلوما في بعض وجوه البر والإحسان . . بل لقد حدث أن استباح البعض ما حرمه الرسول على سبيل القطع في هذا الميدان ، وفي ( صحيح مسلم ) نقرأ هذا الحديث الشاهد لما نقول : - « حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب ، حدثنا سليمان » يعني ابن بلال « عن يحيى » وهو ابن سعيد « ، قال : كان سعيد بن المسيب يحدث أن معمرا قال : قال رسول الله ص : من احتكر فهو خاطئ ، فقيل
--> ( 1 ) الكامل في التاريخ ، لابن الأثير ج 3 ، ص 74 .