حسن الأمين
59
مستدركات أعيان الشيعة
لسعيد : فإنك تحتكر ! ! قال سعيد ، إن معمرا ، الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر « ؟ ! ! . ( 1 ) فما بالنا باستحداث أمور كانت للبعض فيها شبهة جل ؟ ! ولم يكن في صف الذين أنكروها وحاربوها سوى سلاح الاجتهاد في تفسير النصوص وقياس الأمر على كليات التعاليم وروح الشريعة الغراء . . ؟ ! . وعلى أي الوجوه قلبنا الأمر ، فلقد أثمرت هذه التحولات التي شهدها عهد عثمان بن عفان مناخا اجتماعيا ولد وشهد العديد من التناقضات والصراعات . . ومن الكلمات الجيدة التي تصف تلك الحالة الجديدة قول جمال الدين الأفغاني : إنه في زمن قصير من خلافة عثمان ، تغيرت الحالة الروحية في الأمة تغيرا محسوسا ، وأشد ما كان منها ظهورا في سيرة سير العمال والأمراء وذوي القربى من الخليفة ، وأرباب الثروة ، بصورة صار يمكن معها الحس بوجود طبقة تدعى « أمراء » وطبقة « أشراف » وأخرى أهل ثروة وثراء وبذخ « ، وانفصل عن تلك الطبقات : طبقة العمال وأبناء المجاهدين ، ومن كان على شاكلتهم من أرباب الحمية والسابقة في تأسيس الملك الإسلامي وفتوحاته ، ونشر الدعوة ، وصار يعوزهم المال الذي يتطلبه طرز الحياة والذي أحدثته الحضارة الإسلامية ، إذ كانوا مع كل جريهم وسعيهم وراء تدارك معاشهم لا يستطيعون اللحاق بالمنتمين إلى رجال الدولة ، وقد فشت العزة والأثرة والاستطالة ، وتوفرت مهيئات الترف في حاشية الأمراء وأهل عصبيتهم ، وفي الولاة وبمن استعملوه وولوه من الأعمال . . إلى آخره . . فنتج من مجموع تلك المظاهر التي أحدثها وجود الطبقات المتميزة عن طبقة العاملين والمستضعفين من المسلمين ، تكون طبقة أخذت تتحسس بشيء من الظلم ، وتتحفز للمطالبة بحقهم المكتسب من مورد النص . وكان أول من تنبه لهذا الخطر الذي يتهدد الملك والجامعة الإسلامية ، الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري . . . اتهام مردود ولقد كان طبيعيا أن تحدث تطورات مثل هذه اختلافا في الرأي وتباينا في وجهات النظر بين كبار الصحابة وكثير من المسلمين في ذلك الحين ، وكان منطقيا وضروريا أن تؤدي هذه التغيرات الاجتماعية إلى اختلاف وتباين في الزوايا التي ينظر منها الناس إلى الأمور . . ولذلك فإننا نؤيد النظر إلى اختلاف الآراء بين أبي ذر وبين عثمان ومعاوية على أنه أمر طبيعي ، وننكر المحاولات التي تريد الانتقاص من قدر أبي ذر ، بتصويره ضحية في مخطط يهودي استخدم الرجل في تنفيذ مؤامرة يهودية ضد الإسلام والمسلمين ؟ ! . . وأصحاب هذا الرأي الشاذ قد لجئوا إليه تحت وهم أنهم يدافعون بذلك عن عثمان بن عفان ، فاوقعهم مسلكهم هذا في منحدر وعر ، لأنهم قد جرحوا صحابيا قال عنه الرسول ع : إنه أصدق أهل الأرض لهجة ومقالا . . وتنبأ بما حدث له ، لأنه كان يعرف معدن الرجل ، ويستشرف ما ستجره عليه لهجته الصادقة عندما يلجا القوم إلى الدعة وحب السلامة والرفه ، وعند ما يثور عليهم أبو ذر لسلوكهم هذا الطريق . ولقد كانت دوافع أبي ذر إلى موقفه هذا موضع خلاف - منذ قرون - بين المؤرخين ، فالطبري يذكر أن المؤرخين الذين سبقوه قد ذكروا في أسباب نفي أبي ذر من الشام إلى المدينة بأمر من عثمان لمعاوية ، بعد أن كاتب معاوية الخليفة بصنع أبي ذر وتحريضه الفقراء على الأغنياء . . يذكر الطبري أن بعض المؤرخين قد ذكر لذلك « النفي » و « الأشخاص » أسبابا كثيرة و « أشياء كثيرة وأمورا شنيعة كرهت ذكرها » وفي مكان آخر يقول : - « كرهت ذكر أكثرها » . . . ( 2 ) لأنه كان متعاطفا مع وجهة النظر التي وقف منها أبو ذر موقف العداء . . . أما ابن الأثير - وهو من الناقلين عن الطبري - فإنه يشير إلى بعض هذه الأشياء التي ذكرها بعض المؤرخين ، والتي كره الطبري ذكرها ، مثل « سب معاوية » لأبي ذر ، « وتهديده بالقتل ، وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء - ( فرش على ظهر الدابة ) - ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع » . . يذكر ابن الأثير هذه الإشارة ، ثم يقف نفس موقف الطبري فيعلن كراهته للتفصيل في هذا الأمر ، لأنه « لا يصح النقل به ، ولو صح لكان ينبغي أن يعتذر عن عثمان ، فان للإمام أن يؤدب رعيته ، وغير ذلك من الأعذار ، لا أن يجعل ذلك سببا للطعن عليه » . . ثم يمضي ليذكر وجهة نظر الذين أيدوا عثمان ومعاوية ضد أبي ذر ، ونسبوا موقف أبي ذر إلى مخطط يهودي ، كان ينفذه عبد الله بن سبا - ( ابن السوداء ) - فيقول : أما الذين يعذرون عثمان في موقفه من أبي ذر ، « فإنهم قالوا : لما ورد ابن السوداء إلى الشام لقي أبا ذر ، فقال يا أبا ذر ، ألا تعجب من معاوية يقول : المال مال الله ؟ ! ألا إن كل شيء لله ؟ ! ! كأنه يريد أن يحتجنه - ( يختص به ) - دون الناس ، ويمحو اسم المسلمين ! ! فأتاه أبو ذر ، ( أي أتى معاوية ) ، فقال : ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله الساعة ؟ ! ! قال : يرحمك الله يا أبا ذر ، ألسنا عباد الله ، والمال ماله ؟ ! قال : فلا تقله . قال : سأقول مال المسلمين . وأتى ابن السوداء أبا الدرداء ، فقال له مثل ذلك ، فقال : أظنك يهوديا ، فاتى « عبادة بن الصامت » ، فتعلق به عبادة ، وأتى به معاوية ، فقال : هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر « . ( 3 ) ونحن لا نميل إلى موقف ابن الأثير هذا ، بل نرفضه لأسباب كثيرة ، في مقدمتها : أولا : أنه لا يضع في اعتباره أن التطورات التي طرأت على الحياة العربية الإسلامية في ذلك التاريخ ، من الطبيعي ، بل ومن الضروري أن تثير اختلافات في وجهات النظر بين الناس ، وأن هذا الاختلاف طبيعي تماما ، بل ضروري ، خصوصا في بيئة يشجع الفكر الإسلامي فيها الناس على التفكير بحرية ، ويرى أن الإنسان فيها حر مختار ، وموقف ابن الأثير هذا يفضي - ضمن ما يفضي - إلى جعل التفكير الاجتماعي وقفا على اليهود ، من دون العرب والمسلمين المخلصين لتعاليم الإسلام ؟ ! وثانيا : إن تصور ما حدث بين أبي ذر وعثمان على أنه اختلاف في وجهات النظر بين صحابة رسول الله ص ، أكرم وأليق بهذه الصفوة من الناس ، من تصور أبي ذر - ومكانته عالية بشهادة الرسول - ألعوبة في يد بعض الذين أسلموا من اليهود . وثالثا : إن قصة عبد الله بن سبا ، برمتها ، ومن أساسها ، موضع شك وجدل بين الباحثين في تاريخ هذه الفترة من فترات حكم الإسلام والمسلمين ، وهناك من يراها مجرد « مشجب وهمي » ، اخترعها البعض ليعلق عليها الأخطاء ، ويصرف بها نظر البحث والباحثين عن رؤية التطورات التي حدثت في المجتمع والخلافات التي ثارت فيه في ذلك الحين . . . ( 4 )
--> ( 1 ) صحيح مسلم ، بشرح النودي ج 11 ، ص 43 . ( 2 ) تاريخ الأمم والملوك ج 5 ، ص 67 ، 66 . ( 3 ) الكامل في التاريخ ، ج 3 ، ص 55 . ( 4 ) د . طه حسين ، كتاب الفتنة الكبرى ج 1 ( عثمان ) .