حسن الأمين
55
مستدركات أعيان الشيعة
الدؤلي ، والمعرور بن سويد ، ويزيد بن شريك ، وأبو مرواح الغفاري ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعبد الرحمن بن حجيرة ، وعبد الرحمن بن شماسة ، وامرأة أبي ذر ، وعطاء بن يسار ، وغيرهم كثيرون . لم يشهد غزوة « بدر » ، ولكن عمر بن الخطاب ألحقه بمن شهدها في العطاء ، اعترافا بفضله ، ولأنه لم يكن يومها قد هاجر إلى المدينة . اختلف مع عثمان بن عفان ، لمحاباته أهله بعد توليه الخلافة ، وثار على خروج المجتمع الإسلامي عن نهج الرسول في التقارب والتكافل الاجتماعي ، وانتقد تسابق البعض على حيازة الثروات ، ونفي بسبب ذلك أكثر من مرة ، من المدينة إلى الشام ، ومن الشام إلى المدينة ، وأخيرا إلى قرية صحراوية على بعد ثلاثة أميال من المدينة تسمى الربذة وكان ذلك في سنة 30 ه . في تاريخ وفاته خلاف بين سنوات 31 و 32 و 24 هوالأصح هو التاريخ الأول . لم يحضر وفاته سوى ابنته ، وكان قد أمرها عندما اقترب منه الموت أن تولم وليمة لأول ركب يفد إلى منفاه كي يجهزوه ويدفنوه . . وقبل أن يسلم روحه قال لابنته : استقبلي بي الكعبة ، ففعلت ، وقال : بالله ، وعلى ملة رسول الله ص . . ثم أسلم الروح . وعند ما وفد على ابنته ركب قادم من الكوفة ، وكان فيه عبد الله بن مسعود ، قالت لهم : رحمكم الله ، اشهدوا أبا ذر ، قالوا ، وأين هو ؟ فأشارت إليه - وقد مات - فجهزوه وصلوا عليه ودفنوه . . ولقد بكى ساعتها ابن مسعود ، وقال : صدق رسول الله ، ص ، لقد قال عن أبي ذر : « يعيش وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده » . إسلام أبي ذر في الأحاديث التي رويت عن الرسول ، ع ، كلمات تشهد لأبي ذر الغفاري بالتميز والتفرد ببعض الخصال والصفات ، سبقت إشارتنا إلى بعض من ذلك ، وسيأتي الحديث عن بعضها الآخر بعد قليل . وقصة العلاقة بين أبي ذر وبين الدين الإسلامي من أهم القسمات التي تميز أبا ذر عن غيره من الصحابة ، سواء منهم الذين سبقوا إلى الإسلام أو الذين أبطا بهم الايمان بالرسول حينا من الدهر ، قل أو كثر ذلك الحين . ففي شبه الجزيرة العربية كانت تتناثر ، قبل بعثة الرسول ، بعض المراكز الدينية ، وبعض القبائل التي آمنت بشريعة عيسى ، ع ، وكانت في هذه الأرض كذلك بقايا لديانة إبراهيم الخليل ، ع ، تمثلت أساسا في عقيدة التوحيد التي ترفض الأصنام ، وتنكر على الناس عبادتها ، وكانت هذه البقايا من عقيدة إبراهيم تسمى « الحنيفية » ، وأتباعها يسمون « الحنفاء » . . ولقد كانوا أكثر الناس إحساسا ، في تلك البقعة وفي ذلك التاريخ ، بشدة حاجة تلك البيئة إلى رسول يوحد العرب حول عقيدة توحيدية ، وينتقل بهذا المجتمع إلى طور حضاري جديد . . ولقد كان أبو ذر الغفاري من هؤلاء الحنفاء ، الذين اهتدوا - ذاتيا وبالتأمل والتعمق في التفكير - إلى عقيدة التوحيد ، فدعا الله وعبده ، بل ودعا إليه ، قبل أن يبعث الرسول ع ، بثلاث سنوات ، وهذه ميزة يتفرد بها الرجل عن الذين شاركوه في صحبة الرسول . وهو يقص علينا ذلك السبق في حوار دار بينه وبين ابن أخيه ، يقول فيه : « - وقد صليت ، يا ابن أخي ، قبل أن ألقى رسول الله ( ص ) ، بثلاث سنين . . قال : لمن ؟ قلت : لله . قال : فأين تتوجه ؟ قلت : أتوجه حيث يوجهني ربي ! . . . « . ( 1 ) وفي الوقت الذي بدأ فيه الرسول الدعوة سرا إلى الإسلام ، كان أبو ذر مع أخيه « أنيس » قد غادرا مع أمهما مضارب قبيلتهم غفار ، سخطا على خروج القبيلة عن تقاليد العرب التي تحرم الحرب في الشهر الحرام ، فنزلوا حينا من الدهر عند خال لهما ، ثم غادروه ونزلوا على مقربة من مكة . . وفي هذا المكان سمع أبو ذر عن الرجل الذي يقول : إنه يتلقى وحي السماء ، ويدعو إلى عقيدة التوحيد ، فبعث بأخيه كي يتنسم له هذا الخبر الذي لم يكن بعد قد ذاع ، وقال له : اركب إلى هذا الوادي ، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء ، واسمع من قوله ، ثم ائتني . . وعند ما عاد « أنيس » من رحلته ، سأله أبو ذر : « - ما صنعت ؟ قال : لقيت رجلا بمكة على دينك ، يزعم أن الله قد أرسله ، يسمونه الصابئ . قلت : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون : شاعر ، كاهن ، ساحر . . ولقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر ، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون . ولكن هذا القدر من الحديث ، وذلك اليقين الذي تحدث به « أنيس » عن صدق محمد لم يكف لهفة أبي ذر ولم يشبع نهمه ، وهو الذي ينتظر مثل ذلك اليوم منذ سنوات ثلاث . . فطلب من أخيه القيام على أمر أمهما وأمر معاشهم حتى يذهب بنفسه إلى مكة كي يباشر السماع ويقف بنفسه على حقيقة الموضوع . وعند ما وصل إلى مكة اختار رجلا ضعيف البنية من بين أهلها ، كي يسأله عن مكان هذا الداعية إلى نبذ عقيدة الأصنام ، فقال للرجل : أين هذا الذي تدعونه الصابئ ؟ ! . . ففزع الرجل ، كيف شاع أمر الدعوة الجديدة ، التي يريد أهل مكة أن يقبروها في مهدها ، حتى بلغ خبرها إلى من هم خارج مكة ، فجاء هذا الغريب يسال عن مكان صاحبها ! ! ولذلك صرخ الرجل في تعجب من سؤال أبي ذر ، وقال : الصابئ ؟ ! . . الصابئ ؟ ! . . ويحكي أبو ذر كيف هجم عليه القوم وانهالوا عليه بالضرب حتى اصطبغت ملابسه وبشرته بدمائه ، فيقول : فمال علي أهل الوادي بكل قدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي . . فارتفعت ، حين ارتفعت كاني نصب أحمر ! ! « . . ولكن ذلك لم يصرف أبا ذر عن ما جاء من أجله . . فذهب إلى ماء بئر زمزم فاغتسل من دمائه ، وشرب من مائه ، ودخل المسجد واختفى خلف أستار الكعبة يترقب ما تأتي به الأيام من الأحداث . . واستمر في مخبئه هذا يتسمع خمسة عشر يوما ، وقيل ثلاثين يوما ، لا طعام له سوى ماء زمزم ؟ !
--> ( 1 ) صحيح مسلم ج 16 ص 27 وما بعدها .