حسن الأمين

56

مستدركات أعيان الشيعة

حتى كانت ليلة مقمرة أنصرف فيها رجال مكة إلى السمر عن الطواف بالأصنام المنصوبة حول الكعبة وفوقها ، وجاءت امرأتان تطوفان بالأصنام ، وتدعوان الصنم « إساف » والصنم « نائلة » بما هو مألوف عندهم من الدعاء . . . وقرر أبو ذر أن يسخر من المرأتين ومن معبودهن - و « إساف » إله ذكر ، - و « نائلة » آلهة أنثى - فرفع أبو ذر صوته من مخبئه ، وقال للمرأتين : أنكحا أحدهما الأخرى ؟ ! . . ولكنهما استمرتا في دعاء الصنمين فقال : « هن مثل الخشبة » ؟ ! . . . وعند ذلك فزعت المرأتان ، وغادرتا مكان الطواف في اتجاه باب المسجد ، وهما تصيحان : لو كان هاهنا أحد من أنفارنا ؟ ؟ ! وصادف ذلك دخول الرسول ص إلى المسجد ، للصلاة ، في تلك الليلة التي خلا فيها المسجد من المشركين . . فسال المرأتين : - ما بالكما ؟ قالتا : الصابئ بين الكعبة وأستارها . . - ما قال لكما ؟ قالتا : إنه قال لنا كلمة تملأ الفم ( أي غليظة في فحشها ، لا يمكن التلفظ بها ) . ويحكي أبو ذر ما حدث بعد ذلك ، وكيف « جاء رسول الله ص حتى استلم الحجر ، وطاف بالبيت ، ثم صلى ، فلما قضى صلاته ، قلت : السلام عليك يا رسول الله ، فقال ، وعليك ورحمة الله . . ثم قال : من أنت ؟ قلت : من غفار . . » ويعلق أبو ذر على هذا اللقاء ، وعلى إسلامه ، دون أن يدعوه الرسول إلى الإسلام ، فيقول « فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام » . فأخبره الرسول بتفكيره في الهجرة من مكة ، واحتمال أن تكون « يثرب » ، ( المدينة ) هي مكان هذه الهجرة المرتقبة . . وطلب إليه أن يتولى أمر الدعوة إلى الإسلام في قبيلته غفار . . وقال له لا « فهل أنت مبلغ عني قومك ، عسى الله أن ينفعهم بك ، ويأجرك فيهم ؟ . . ارجع إلى قومك فأخبرهم ، حتى يأتيك أمري » . . ولكن أبا ذر لم يشأ أن يغادر مكة سرا ، ودون أن يتحدى أهلها في ذلك الوقت المبكر الذي لم تكن فيه الدعوة الإسلامية قد أعلنت بعد ، ولم يكن فيه عدد المسلمين قد تجاوز أربعة ، فقال للرسول ع : « والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم . . فخرج حتى أتى المسجد ، فنادى بأعلى صوته : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فقام القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه ، وأتى العباس بن عبد المطلب فأكب عليه ، وقال : ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار ؟ ! وأنه طريق تجارتكم إلى الشام ؟ ! فأنقذه منهم » وتكرر هذا المشهد في اليوم التالي حيث عاد أبو ذر لتحديهم علنا ، فعادوا لضربه وأنقذه منهم ثانية العباس ، عم الرسول . وهكذا تفرد أبو ذر مرة أخرى بأمر آخر عن غيره من الصحابة الذين أسلموا حتى ذلك التاريخ . وعند ما عاد أبو ذر إلى قومه ، تبعه في العقيدة أخوه « أنيس » ، وأمه . ثم أخذ في الجهر بالدعوة إلى الإسلام ، وفي السخرية من أصنام غفار وآلهتهم . . حتى دخلت أعداد كبيرة من قبيلته في الإسلام ، وظل بينهم داعيا إلى الدين الجديد حتى هاجر الرسول ( ع ) إلى المدينة ، وقدم إليها أبو ذر فأسلم من بقي من قومه ، ودعا لهم الرسول فقال : « غفار غفر الله لها » . . . ( 1 ) فكانت ميزة أخرى تميز بها هذا الداعية إلى الإسلام بين قبيلته وقومه عن كثير من الذين أسلموا في ذلك الحين . صفات أخرى للرجل ولم تكن هذه هي كل الصفات التي تميز بها هذا الصحابي الجليل . . بل كانت له صفات أخرى امتاز بها على الكثيرين . . . ومن أولى هذه الصفات غزارة العلم والمعرفة . . فعلى الرغم من أن المشهور في الدراسات الإسلامية التي تناولت مركز الصحابة من العلم والمعرفة تكاد تجمع - وهي على حق في ذلك - على أن علي بن أبي طالب كان أبرز الصحابة في هذا الميدان ، إلا أن تقييم أبي ذر في هذا الصدد يحتاج إلى تنبيه وجلاء وتفسير لبعض ما روي حوله في هذا الموضوع . فلقد ذكرت في أوصاف الرجل أنه « كان يوازي ابن مسعود في العلم » . . ( 2 ) وابن مسعود من المبرزين والمقدمين في هذا الميدان . . ولكن الأمر الأهم الذي نود التنبيه إليه هو أن وصول أبي ذر إلى الايمان بعقيدة التوحيد قبل البعثة المحمدية ، وقبل سماعه بالقرآن والرسول ، إنما يضعه بين أصحاب النظر العقلي والتحليل النظري والفكر الفلسفي ، ومن ثم يعطي الرجل مكانا متميزا في هذا الميدان . . ويبدو . . أن الرجل قد كانت له آراء فلسفية ونظرات عميقة حول عدد من القضايا الفكرية لم تكن البيئة الفكرية التي عاش فيها من سعة الصدر ورحابته بحيث تسمح له أن يلقي بكل ما عنده إلى الناس . . ويشهد بذلك قول علي ابن أبي طالب عندما سئل عن أبي ذر ، فلقد قال : إنه « وعى علما فعجز فيه ، وكان شحيحا حريصا : شحيحا على دينه ، حريصا على العلم « ) * ( 3 ) ، فهو هنا يشير إلى » نوعية « علم أبي ذر ، وأيضا إلى أن الرجل كان حريصا عليه وضنينا بإذاعته بين الناس . . وفي حديث آخر لعلي عن هذا الموضوع يقول فيه ، كان » أبو ذر وعاء ملئ علما ، ثم أوكئ عليه « ؟ ! . . ( 4 ) أي أن البيئة التي عاش فيها الرجل لم تشهد ما في وعاء علمه من قضايا وأفكار ، لأن هذا الوعاء بعد أن ملئ بالعلم ، حدث أن » أوكئ عليه « ؟ ! . . وهناك رواية أخرى لكلمات علي هذه أكثر صراحة وأقطع في الدلالة عندما يقول » وعى أبو ذر علما عجز الناس عنه ، ثم أوكا عليه فلم يخرج شيئا منه « ؟ ! . ( 5 ) ولأبي ذر نفسه إشارة إلى أنه قد تحصلت له وامتلك عقله نظرة شاملة ومتكاملة للكون والحياة ، فهو يصف حالته الفكرية بعد أن اكتسب ما اكتسب من صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام - وكان ملازما له منذ لحق به في المدينة - فيقول : « لقد تركنا رسول الله ص ، وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما ؟ ! » . . ( 6 ) فالرجل ولا بد كانت لديه قضايا وأفكار أكثر مما حفظته لنا كتب الحديث والتاريخ . وزهد أبي ذر هو الآخر ميزة من الميزات التي تميز بها الرجل ، فالرسول ص وقد قال عنه : « أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم ع » ( 7 ) ، ولكن زهد أبي ذر هذا لم يكن عزوفا عن الدنيا وإدارة ظهر لمشاكلها وأحداثها ، وإنما كان موقفا نضاليا يرفض صاحبه الانغماس في الملذات والترف ، وفي نفس الوقت يكافح ضد الذين سلكوا هذا السبيل ، فأبو ذر كان يؤمن بان له في أموال المجتمع حقوقا مثل ما للآخرين ، وأن استئثار الآخرين بهذه الأموال لا يعني اختصاصهم بها دونه

--> ( 1 ) صحيح مسلم ج 16 ص 27 وما بعدها ، وأسد الغابة ، ج 5 ، ص 87 والاستيعاب ج 4 ص 64 والإصابة ج 1 ص 88 . ( 2 ) الإصابة ج 4 ، ص 65 ( 3 ) طبقات ابن سعد ج 2 ، ق 2 ، ص 112 . ( 4 ) الإصابة ج 4 ، ص 65 وهو حديث أخرجه أبو داود . ( 5 ) الاستيعاب ج 4 ، ص 64 . ( 6 ) المصدر السابق ج 4 ، ص 64 ، 65 . ( 7 ) المصدر السابق ج 4 ، ص 64 .