حسن الأمين
40
مستدركات أعيان الشيعة
واستكانة مغلوبة على أمرها ، وساح أبو العتاهية في تيه الحياة المسحور ، وكان قد فزع إلى اللهو والمجانة لعله ينسى أو يتلهى ، فلما لم يجد ذلك في نفسه وحبه شيئا طلب التنسك لعله يكون أفعل في نفسه ، أو أقرب طريقا إلى ما يبتغيه من سلوان . قال صاحب الأغاني ، أبو الفرج في ترجمته لأبي العتاهية : « ولم أذكر هنا مع أخبار أبي العتاهية أخباره مع عتبة ، وهي من أعظم أخباره لأنها طويلة ، وفيها أغان كثيرة ، وقد طالت أخباره هاهنا ، فافردتها » . ولو أن أبا الفرج وفى بوعده الذي قطعه بان يفرد لأخباره معها بابا خاصا « لكثرة الصنعة في تشبيبه بها ، وانها اتسعت جدا » ، أو لعله وفى وسقط هذا الباب من كتابه الكبير - إذن لاستوت لنا الحقيقة في أمر حب أبي العتاهية أنصع من ذلك كثيرا ، ولوقفنا في كثير من التفصيل على قصة ذلك الحب الكبير كاملة . إسماعيل الصفوي : مرت ترجمته في المجلد الثالث . ثم ذكرنا تفاصيل أخرى عنه في الصفحة 16 من المجلد الأول من المستدركات . ثم تفاصيل أوسع في الصفحة 50 من المجلد الثاني من المستدركات . وننشر عنه هنا ما يلي وهو ما عثرنا عليه بعد نشر ما نشر : وردت في كتاب ( إعلام الورى بمن ولي نائبا من الأتراك ( 1 ) بدمشق الشام الكبرى ) لمؤلفه ( محمد بن طولون الصالحي الدمشقي ) نصوص ثمينة عن صدى قيام الدولة الصفوية في بلاد الشام التي كانت محكومة يوم ذاك من المماليك ، ومن قانصوه الغوري منهم بالذات . وكنا قد ذكرنا فيما كتبناه في المجلد الثاني من المستدركات عن صدى قيام هذه الدولة بوجه عام ، وإنه لمن المهم أن نعرف ما ذا كانت تتجاوب به سائر البلاد من أصدية مدوية لنجاح إسماعيل الصفوي وتمكنه من السلطة . ولعل ما ننشره هنا من نصوص مأخوذة من ( أعلام الورى ) يرينا الصورة الصحيحة لعواطف الناس وانفعالهم من ذلك الحدث . وإذا كان المؤلف يتحدث عن دمشق وحدها فلا شك أن ما كان يتفاعل في دمشق إنما هو مماثل لما كان يتفاعل في غيرها من المناطق التي كانت تصل إليها أخبار الدولة الصفوية متقطعة ولكن مثيرة . وإنه لمن الطريف أن نعرف كيفية انتشار الشائعات ووصول الأخبار بما يحدث في بلاد بعيدة . جاء في ( أعلام الورى ) في الصفحة 145 عن أحداث سنة ( 907 : « في هذه الأيام ( 17 جمادى الآخرة سنة 907 ) شاع بدمشق ان رجلا اسمه حيدر الصوفي استولى على بلاد تمر لنك وغيرها وإنه ماش على البلاد » . فالمؤلف يستبدل بكلمة الصفوي كلمة الصوفي ، وليس مرد ذلك إلى ما كان معروفا عن أصول الصفويين الصوفية ، لأن مثل هذه التفاصيل لم تكن لتنتقل مع شائعة تدور على الأفواه من بلد بعيد إلى بلد أبعد ، بل إن مرده إلى عدم ألفة الناس لكلمة الصفوي الجديدة ولفتهم لكلمة الصوفي العريقة ، فالناقل الأول للإشاعة نقل الصفة - على الأغلب - على حقيقتها ( الصفوي ) لقربه من الحدث ، ولكن تداول الألسنة لها من مكان إلى مكان حرفها ، فوصلت إلى دمشق : ( الصوفي ) . ويبدو جليا ان معلومات المؤلف الجغرافية ضعيفة كل الضعف ، فكل ما يعرفه عن المنطقة التي ظهر فيها إسماعيل انها بلاد ( تمر لنك ) . ثم إنه يحرف ( تيمور لنك ) إلى تمر لنك ) . والغريب في هذه الشائعة انها تقول ان إسماعيل الصفوي ماش إلى بلاد الشام ، مما يدل على رهبة عرت النفوس من قيام الدولة ، حتى إن تلك النفوس لتتوقع أن يكتسح إسماعيل ما بعد بلاد ( تمر لنك ) حتى يصل بلاد الشام ! . . ثم إنه يبدو جليا من الخبر التالي ان الأمر لم يكن مجرد تخيل بل كان في نظر الحكام جدا كل الجد فقد جاء في إعلام الورى ما يلي ، وهو تابع لأحداث 19 صفر سنة 908 أي بعد حوالي ثمانية أشهر من انتشار الشائعة القائلة بان إسماعيل ماش على البلاد : « في هذه الأيام رمى النائب على أهل دمشق مالا لأجل مشاة تخرج إلى حلب تجريدة حرمة للبلاد لأجل ما قيل من أمر الخارجي حيدر الصوفي » . ما ورد في الخبر الأول كان مجرد ترديد لشائعة لذلك لم يكن المؤلف منفعلا فلم يصف إسماعيل باي صفة قبيحة ، ولكن عندما بدا له أن الأمر قد اشتد لدرجة الاعداد لدفع لخطر هاج هائجه فوصف إسماعيل بأقبح وصف وهو وصف ( الخارجي ) ، كما أن الصدمة أذهلته فنسي الاسم ، وأطلق على إسماعيل اسم أبيه حيدر والواقع إنه لأمر غريب أن يكون الحال قد وصل إلى إعداد النجدات في دمشق ، لارسالها إلى حلب لدفع ما بدا أنه خطر صفوي متوقع ، ومن [ البدهي ] البديهي أن الأمر لم يكن مقتصرا على دمشق وحدها . ويجب أن لا ننسى ان ما يحدث هو في عصر ( قانصوه الغوري ) الذي افترض الناس فيه - بما تحدثوا به عنه بعد ذلك - حليفا لإسماعيل الصفوي . وإذا صح أمر التحالف ، فإنه يبدو جليا انه لم يكن قد قام بعد ، وسيتضح الأمر فيما يأتي من أخبار ( إعلام الورى ) . ويأتي شهر جمادى الآخرة من سنة 908 أي انه قد مضى على انتشار ( الشائعة ) سنة كاملة فإذا ب ( إعلام الورى ) ينشر لنا الخبر الآتي : « شرعوا باستخلاص بقية المال الذي فرض برسم المشاة » . أي انه مضى قرابة أربعة أشهر بين فرض المال لاعداد المشاة وإرسالهم إلى حلب وبين تحصيل بقية هذا المال . وبعد شهرين من كتابة هذا الخبر يقول ( إعلام الورى ) عن أحداث شهر شعبان بعد أن ذكر فرض ضريبة جديدة على الناس : « وهذه رمية أخرى غير الرمية التي أخذت بحجة مشاة إلى حلب لأجل حيدر الصوفي » . وهنا يستمر في تغيير اسم إسماعيل إلى حيدر كما يكون مستمرا في إبدال لقب الصفوي بالصوفي . وتنتهي سنة 908 وتليها سنة 909 فسنة 910 فسنة 911 فسنة 912 دون أن نسمع في ( إعلام الورى ) أي خبر عن ( الخارجي ) ولا عن ( المشاة ) المرسلين إلى حلب . أي ان أربع سنوات قد مضت دون ذكر أي شيء عما يجري في بلاد ( تمر لنك ) وما يمتد بعدها من بلاد غربا من وقائع وخطوب . وفجاة يطلع علينا ( الاعلام ) وهو يتحدث عن أخبار ربيع الثاني سنة 913 بهذا الخبر : « في هذه الأيام أيضا شاع ان الخارجي حيدر الصوفي قد خرج على الأمير علي دولة وتقاتلا وانه قرب من حلب » . ونحن لا نعلم - برغم تتبعنا لتاريخ إسماعيل - بأنه تقاتل مع من اسمه ( علي دولة ) فمن اين جاء صاحب ( الاعلام ) بهذا الخبر ؟ .
--> ( 1 ) المقصود بالأتراك هنا : المماليك ومؤرخو تلك الفترة يسمون دولة المماليك بدولة الأتراك .