حسن الأمين

41

مستدركات أعيان الشيعة

ربما كان الأمر قد اشتبه عليه بين ( علاء الدولة ) وبين ( علي دولة ) ، فان تقاتلا قد جرى بين علاء الدولة حفيد ناصر حاكم بلاد مرعش وبين أتباع الشاه إسماعيل لتحالفات بين علاء الدولة وآخرين بقصد الاستيلاء على ولاية ديار بكر ، فقرر الشاه الحئول دون ذلك في تفاصيل ليس هنا مكان ذكرها . ولكن مهما كان من أمر انتصارات الشاه إسماعيل على علاء الدولة فإنه يظل بعيدا جدا عن حلب مما لا يبرر شائعة قربه من حلب . وفي أخبار جمادى الآخرة من السنة نفسها 913 نفاجا بالخبر الخطير التالي : « مستهل جمادى الآخرة برز النائب إلى مصطبة السلطان ( 1 ) وخرج معه القضاة وداوادار السلطان على نية السفر والتجريد على الخارجي حيدر الصوفي . وفي يوم الجمعة سابعه سافر . وبعد عصر يوم الثلاثاء ثالث شعبان دخل النائب دمشق وقد مر على البلاد بعد رجوعه من تجريدة الصوفي التي وصل فيها إلى حلب . من هذا الخبر يبدو التصميم على حرب الدولة الصفوية تصميما مصدره ولا شك المسؤول الأول في الدولة قانصوه الغوري ، إذ ليس من المعقول أن يتفرد نائب دمشق بقرار الحرب الذي سيلزم الدولة كلها ، وخرج التصميم إلى حيز التنفيذ بسوق جيش دمشقي لقتال من صار اسمه ( الخارجي ) . ومن هنا ندرك أن وقع قيام دولة شيعية لم يكن مثيرا للعثمانيين فقط ، بل كان مثيرا للمماليك أيضا ، وأن إجماعا قام على عدم تمكين الشيعة من أن يكون لهم دولة يكونون في ظلها مصوني الكرامة والدم والمال والحرية . إجماعا قام دون أن يعد أحد لقيامه ، ودون أن تتفق أطرافه فيما بينها ، بل إن وحدة النقمة هي التي جمعت إرادتهم دون أن يجتمعوا . وحين نعود إلى لهجة ( النهروالي ) ( 2 ) المتمثل فيها شعور العثمانيين ، ونقارن بينها وبين لهجة ابن طولون المتمثل فيها شعور المماليك ، نجد إن اللهجتين تنبعان من إحساس واحد هو إحساس النقمة والغضب . وإذا كان النهروالي قد قال ما قال في جمل مبسطة طويلة كثيرة متعددة ، فلأن كتابه كان مبسطا طويلا مسهبا . أما ابن طولون الموجز في كتابة ما كتبه عن تاريخ تلك الفترة ، فقد سار في التعبير عن نقمته على طريق الإيجاز المتبع في كتابه ، فأكتفي عن كل تعابير الشتائم والغضب بوصف الشاه إسماعيل بصفة ( الخارجي ) ، وحسبها صفة شاملة مزرية محرضة ! . . وإذا كانت البلاغة - كما يعبرون عنها - بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، فلا شك ان ابن طولون كان بليغا في تعبيره هذا ، ولا يمكن لمن كان في ذهنية ابن طولون وذهنية أبناء عصره أن يعبر عما يكنه لقيام دولة للشيعة من الحقد والنقمة والتحريض عليها ، بكلمة أبلغ من وصف مقيم تلك الدولة بوصف ( الخارجي ) . وقد كان يمكن أن يكون وقع هذا الوصف أخف على النفوس لو كان إسماعيل الصفوي قد قام بثورته على دولة المماليك ، فعند ذلك يمكن تفسير كلمة ( الخارجي ) بأنه الخارج على دولته . فاما وثورة إسماعيل تبعد عن دولة المماليك ألوف الكيلومترات ، ولا مساس لها بسلطة المماليك ، ولا أثر لها على دولتهم ، فان كلمة ( الخارجي ) هنا إنما يعنى بها : الخارج على الإسلام ! . . على أن الذي يحيرنا هو قول الكاتب بان ( النائب ) عاد إلى دمشق بعد غياب حوالي شهر فقط . وسبب الحيرة هو ان الكاتب لم يوضح لنا عما إذا كان النائب قد عاد وحده وترك التجريدة في حلب ، أم عاد مع التجريدة ؟ ! وسواء عاد وحده أم عاد مع التجريدة فان حربا لم تقع بين دولة المماليك ودولة الصفويين . بل إن الذي حدث هو شيء يناقض فكرة الحرب كل المناقضة ، ويكون له على القارئ وقع المفاجأة المذهلة . إذ بعد مضي حوالي شهرين على عودة النائب من حلب يطلع علينا صاحب ( الاعلام ) بالنبا التالي : « يوم السبت سابع عشر شوال دخل من مصر إلى دمشق قصاد الخارجي إسماعيل الصوفي ، وتلقاهم النائب وأرباب الوظائف ، وهم نحو الخمسين نفرا ، والمتعين فيهم اثنان ، وجميعهم بعمائم بيض بوسطها طناطير حمر بارزة طويلة نحو الذراع » . وفي هذه المرة عاد إلى تسمية الشاه إسماعيل باسمه الصحيح وترك اسم حيدر ، وإن ظل يصر على وصفه بالخارجي . وإذا كان صاحب ( الاعلام ) لم يوضح لنا ما ذا كانت مهمة هذا الوفد الصفوي في مصر ، فلسنا بحاجة إلى توضيحه بعد أن عرفنا أن الحرب لم تقع بين إسماعيل وبين قانصوه الغوري ، وعرفنا ان الأمر بينهما قد عاد إلى تحالف وثيق كانت له نتائجه الخطيرة . ونستطيع أن نتصور الأمر على هذا الشكل : بعد أن عرف الشاه إسماعيل بان دولة المماليك تعد لحربه ، بعد أن كان قد عرف إعداد دولة العثمانيين لهذه الحرب ، وهو مدرك ان لا مصالح مهددة للعثمانيين تحملهم على هذه الحرب ، ولا مصلحة كذلك للمماليك تحملهم عليها ، وكل ما في الأمر ان الدافع هو دافع مذهبي بحت لا يمت إلى المصالح الحقيقية بصلة ، ووازن بين إقناع العثمانيين بالعدول عن هذه الحرب وبين إقناع المماليك ، فترجح لديه بان الأسهل هو إقناع المماليك وسلطانهم قانصوه الغوري ، فأرسل إليه وفدا رفيعا مؤلفا من نحو خمسين شخصا كان البارز بينهم اثنان ففاوضه الوفد وبين له ان لا مطامع لإسماعيل في بلاده ، وانه لا يمكن أن يخشى شيئا من قيام الدولة الصفوية ، وان الاعتبارات المذهبية لا يجوز أن تكون هي الفيصل في مثل هذه المواقف المصيرية ، وإن الطرفين : الصفوي والمماليكي يمكن أن ينتظرهما خطر

--> ( 1 ) المصطبة أو مصطبة السلطان : كانت دولة المماليك تعنى بالأمور الشكلية أو الأمور الظاهرة مما يزيد في هيبتها ويجعل العامة تؤمن بعظمة الدولة وكبريائها ، ولذلك اتخذت أساليب العرض والمواكب العسكرية ، فأقامت قبيل مدينة دمشق في قرية ( القوم ) قبة تدعى قبة النصر وقبة يلبغا . وكانت هذه المنطقة أعظم مدخل لدمشق فهي طرق بيت الله الحرام ( بوابة الله ) وطريق فلسطين والأردن وحوران وطريق عاصمة المملكة ( القاهرة ) . والطريق الآخر هو طريق رحبة مالك بن طوق والجزيرة الفراتية وطريق حمص وحماه وحلب وما إلى ذلك ، واتخذت على هذا الطريق مصطبة تدعى مصطبة السلطان . وهي مصطبة عظيمة كانت في سهل القابون بين القابون وبرزة ، كان الملوك والنواب والعظماء من القواد ينزلون فيها إذا قدموا من جهة حلب ، ثم تخرج جيوش دمشق لملاقاتهم بها ويدخلون دمشق بموكب حافل . وكذلك شأنهم إذا أرادوا السفر إلى حلب وجهاتها . ويقول البدري المتوفى سنة 894 إنها قدر فدان يصعد إليها في نيف وعشرين درجة من جهاتها الأربع ، وفيها قصر حسن البناء ينزل به الملوك والسلاطين عند توجههم إلى الأسفار انتهى . وبقي شيء من آثارها إلى سنة 1350 وقد شاهدها محقق كتاب ( إعلام الورى ) محمد أحمد دهمان الذي هو مصدرنا في هذا الموضوع - شاهدها وهي تعلو عن الأرض نحو متر وقد أخذ الفلاحون في هدمها وتسويتها بالأرض وأصبحت اليوم أرضا زراعية . هذا وإن كلمة ( النائب ) هنا تعني الوالي . ( 2 ) راجع أقوال النهروالي في المجلد الثاني من ( المستدركات ) .