حسن الأمين
39
مستدركات أعيان الشيعة
ولربما استيأست ثم أقول : لا ان الذي ضمن النجاح كريم قال يزيد : فغنيته فقال : علي بعتبة ، فجاءت فقال : ما صنعت ؟ فقالت ذكرت ذلك لمولاتي فكرهته وأبته ، فليفعل أمير المؤمنين ما يريد ، فقال : ما كنت لأفعل شيئا تكرهه . ولم يكن سهلا ، بل لعله كان مستحيلا أن تتخلص عتبة من مولاتها الخيزران التي كانت صاحبة شخصية قوية ونفوذ شديد في القصر وفي غير القصر حتى على الخليفة نفسه ، وكانت تتمسك بجاريتها عتبة وتنزلها منزلة خاصة . ولكن أبا العتاهية لا يصيبه على الرغم من ذلك كله ملل ولا يأس ، وانما هو مقيم على حبه عتبة ، وعلى إخلاصه لهذا الحب ، لا يفتا يذكرها ، ويردد ما يعانيه بسببها في شعره ، ولا يقف طلبه إياها من المهدي عند حد ، بل إنه ليقتحم عليه مجلسه الذي يضم علية القوم من علماء وكبراء وشعراء ، لعله يصيبه من ذلك بحرج عندما يخاطبه بقوله : ألا ان جارية للإمام قد أسكن الحب سربالها مشت بين حور قصار الخطا تجاذب في المشي أكفالها وقد أتعب الله نفسي بها وأتعب باللوم عذالها فيعجب الحاضرون من هذه الجرأة وهذه الجسارة أشد العجب ، مما يدلنا على مقدار تعلقه بمحبوبته ، حتى ليستهين في سبيلها بكل خطير وصعب ، وضاق المهدي به وبالحاحه عليه بشأنها ، وإكثاره من التشبيب بها بشعره السهل الرقيق الذي شاع بين الناس من عامة وخاصة ، فأمر بإحضاره ، وجلده نحوا من حد ، وأخرج مجلودا ، فبكت عتبة حتى فاض دمعها . وصادفها المهدي باكية عند الخيزران ، فأراد أن يترضاها ، فأمر لأبي العتاهية بخمسين ألف درهم ، ففرقها أبو العتاهية على من بالباب ، ولما سأله الخليفة في ذلك قال : ما كنت لآكل ثمن من أحببت . ولم يمتنع أبو العتاهية ولم يرتدع بعد هذا الذي لقيه من أجل معشوقته من بلاء وضرب مبرح ، بل ظل عاكفا على رغبته مما أثار المهدي مرات عدة ، فسجنه أكثر من مرة ، ولما لم يمتنع نفاه عن بغداد إلى الكوفة ، وهناك ظل يشبب بصاحبته وينشد شعره فيها . ولقد أضر ذلك كله بصحته وبعينيه خاصة ، حتى رثا الناس لحاله وأشفقوا عليه من اتصال وجع عينيه وملازمته طبيبا لعلاجهما ، ولما سئل في ذلك قال : أيا ويح عيني ويحها ثم ويحها أما من خلاص من شباك الحبائل ؟ أيا ويح عيني قد أضر بها البكاء فلم يغن عنها طب ما في المكاحل كل ذلك من أجل عتبة ، التي لا يستطيع أن يتخلى عن حبه إياها ، مستعذبا في حبها كل مر مقيما على إخلاصه لهذا الحب رغم ما ينزل به من أرزاء قاسية ، ومحن بالغة ، أنزلها به المهدي . بل إن المهدي يموت ، ويخلفه الهادي ، ويعقبهما الرشيد ، وأبو العتاهية لا يزال حافظا لهواه راعيا لحبه ، ولا يفتا يكرر محاولاته في سبيل الحصول على عتبة مع الرشيد في غير فتور ولا يأس . وكان مما قوى عزمه ، وأمد له في حبال الأمل انه كانت بينه وبين الرشيد قبل ان يلي الخلافة علاقة قوية ومصاحبة في مجالسه ونزهاته ، وقد حاول الرشيد في هذه السبيل محاولة صادقة ولكن الخيزران كانت لا تزال تتمسك بجاريتها التي لم تكن تملك من أمر نفسها شيئا ، وكانت قد عرفت رغبة مولاتها القوية وإصرارها عليها . حدث أبو العباس ثعلب قال : كان أبو العتاهية قد أكثر مساءلة الرشيد في عتبة ، فوعده بتزويجهما ، وأنه يسألها في ذلك ، فان أجابت جهزها وأعطاه مالا عظيما . ثم إن الرشيد سنح له شغل استمر به ، فحجب أبو العتاهية عن الوصول اليه ، فدفع إلى مسرور الكبير ثلاث مراوح فدخل بها على الرشيد وهو يبتسم ، وكان عليها ثلاثة أبيات من الشعر ، قرأها الرشيد وقال : قاتله الله ، ما أحسن ما قال ! ثم دعا به وقال : ضمنت لك يا أبا العتاهية ، وفي غد نقضي لك حاجتك إن شاء الله . . وبعث إلى عتبة ان لي حاجة إليك ، فانتظريني الليلة في منزلك ، فأكبرت ذلك وأعظمته ، وصارت اليه تستعفيه ، فحلف ان لا يذكر لها حاجته إلا في منزلها ، فلما كان الليل سار إليها ومعه جماعة من خواص خدمه ، فقال لها : لست أذكر حاجتي أو تضمنين قضاءها . قالت : أنا أمتك وأمرك نافذ في ما خلا أمر أبي العتاهية فاني حلفت لأبيك رضي الله عنه بكل يمين يحلف بها بر وفاجر ، وبالمشي إلى بيت الله الحرام حافية كلما انقضت عني حجة وجبت علي أخرى لا اقتصر على الكفارة ، وكلما أفدت شيئا تصدقت به إلا ما أصلي فيه . وبكت بين يديه ، فرق لها ورحمها وانصرف عنها . . وغدا عليه أبو العتاهية فقال له الرشيد : والله ما قصرت في أمرك ، ومسرور وحسين ورشيد وغيرهم شهود لي بذلك ، وشرح له الخبر . . قال أبو العتاهية : فلما أخبرني بذلك مكثت مليا لا أدري أين أنا ؟ قائم أو قاعد ؟ وقلت : الآن يئست منها إذ ردتك ، وعلمت أنها لا تجيب أحدا بعدك . فلبس أبو العتاهية الصوف ، وقال في ذلك من أبيات : قطعت منك حبائل الآمال وحططت عن ظهر المطي رحالي ووجدت برد الياس بين جوانحي فغنيت عن حل وعن ترحال حين ذاك فقط تملكه الياس واشتد به . هنالك بعد عشرين سنة أو نحوها من الحب الخالص العميق ، وبعد صنوف من العذاب وألوان من الأرزاء فيها الجلد والحبس مرات ، والنفي والتشريد ، يصيب أبا العتاهية ذهول شديد وقد يئس من الدنيا ومن الحياة ومن الأمل . كانت عتبة دنياه وحياته وأمله ، فالتمس الفرار من هذه المصيبة الفادحة التي ألمت بنفسه وقلبه جميعا ، إلى شيء ينشد فيه السلوان بعيدا عن الدنيا ، بعيدا عن الناس ، هنالك عزم على أن يتنسك ويلبس الصوف ، وينزع منزع الزاهدين وكانت لهذا المنزع في نفسه آثار قديمة وجذور بعيدة . ومع هذا ، فإننا نجده بعد ذلك مقيما على الوفاء لهذا الحب الذي أقام من قلبه قبرا له ، يتطلع اليه بين الحين والحين ، حتى بعد تنسكه وزهده ، فنراه يحن إلى تلك الذكرى حنينا شديدا مبتغيا إلى ذلك الوسائل ، منتحلا له الأعذار . قال لي أحمد ولم يدر ما بي أتحب الغدأة عتبة حقا فتنفست ثم قلت نعم حبا جرى في العروق عرقا فعرقا وقد بلغ من شدة شغفه بهذا الغناء وما يحمل في ثناياه من ذكريات حبيبة أن استعاده ثلاث مرات . وحسبنا ذلك ، لندل على أن قصة هذا الغرام العنيف الذي دفع صاحبه إلى ارتياد النسك والزهد جديرة بالاعتبار والاحتفال ، بين قصص الحب الخالدة ، وقد شقى بطلاها بها زمانا طويلا ، أحسب ما لقياه في سبيلها من عنت والتياع ، ومن ظروف قاهرة قاسية باعدت بين قلبيهما وأبت عليهما أن يلتئما طوال سنوات عديدة ، كان كفيلا بان يصيب قوتها وحرارتها بشيء من الوهن أو ببعض من الضعف والبرودة ، ولكنهما تذرعا بطويل الصبر ، وعديد الحيل عليهما يلتئمان على وصال دائم ، ولكن الظروف كانت أقوى منهما ، وكانت الشيخوخة قد أدركتهما ، فقبعت عتبة في ذل