حسن الأمين

38

مستدركات أعيان الشيعة

بيضان ، فقلنا : من هذه ؟ فقالوا : عتبة ، فقلت : قد عشقت عتبة . فلم نزل كذلك في كل يوم إلى أن التامت لنا أشعار كثيرة . فدفع صاحبي بشعره إلى خالصة ، ودفعت أنا بشعري إلى عتبة ، وألححنا إلحاحا شديدا ، فمرة تقبل أشعارنا ومرة تطرد ، إلى أن أجدوا في طردنا . « فجلست عتبة يوما في أصحاب الجوهر ، ومضيت فلبست ثياب راهب ، ودفعت ثيابي إلى إنسان كان معي ، وسالت عن رجل كبير من أهل السوق ، فدللت على شيخ صائغ ، فجئت اليه ، فقلت : إني قد رغبت في الإسلام على يدي هذه المرأة ، فقام معي ، وجمع جماعة من أهل السوق ، وجاءها فقال لها : إن الله قد ساق إليك أجرا . هذا راهب قد رغب في الإسلام على يديك ، فقالت : هاتوه . فدنوت منها ، فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله . وقطعت الزنار ، ودنوت فقبلت يدها ، فلما فعلت ذلك رفعت البرنس فعرفتني ، فقالت : نحوه لعنه الله ، فقالوا : لا تلعنيه فقد أسلم ! فقالت : إنما فعلت ذلك لقذره . فعرضوا علي كسوة ، فقلت : ليست لي حاجة إلى هذه ، وإنما أردت أن أشرف بولائها ، فالحمد لله الذي من علي بحضوركم . وجلست ، فجعلوا يعلمونني الحمد ، وصليت معهم العصر ، وأنا في ذلك بين يديها انظر إليها لا تقدر لي على حيلة . فلما انصرفت لقيت خالصة فشكت إليها فقالت : ليس يخلو هذان من أن يكونا عاشقين أو مستأكلين . فصح عزمهما على امتحاننا بمال على أن ندع التعرض لهما ، فان قبلنا المال فنحن مستاكلان ، وان لم نقبله فنحن عاشقان . فلما كان الغد مرت خالصة ، فعرض لها صاحبها ، فقال له الخدم : اتبعنا . فأتبعهم . ثم لم نلبث أن مرت عتبة فقال لي الخدم اتبعنا . فاتبعتهم ، فمضت بي إلى منزل خليط لها بزاز ، فلما جلست دعت بي فقالت لي : يا هذا ! إنك شاب ، وأرى لك أدبا ، وأنا حرمة خليفة ، وقد تانيتك ، فان كففت وإلا أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين ، ثم لم آمن عليك ، قلت : فافعلي ، بأبي أنت وأمي ، فإنك إن سفكت دمي أرحتني ، فأسألك بالله إلا فعلت ذلك ، إذ لم يكن لي فيك نصيب ، فاما الحبس والحياة ولا أراك فأنت في حرج من ذلك ، فقالت : لا تفعل هذا وأبق على نفسك ، وخذ هذه الخمس مائة دينار واخرج عن هذا البلد . فلما سمعت ذكر المال وليت هاربا . فقالت : ردوه . فلم تزل تردني . فقلت : جعلت فداك ، ما أصنع بعرض من الدنيا وأنا لا أراك ، وانك لتبطئين يوما واحدا عن الركوب فتضيق بي الأرض بما رحبت . وهي تأبى إلا ذكر المال حتى جعلت لي ألف دينار . فأبيت ، وجاذبتها مجاذبة شديدة ، وقلت : لو أعطيتني جميع ما يحويه الخليفة ما كانت لي فيه حاجة وأنا لا أراك بعد أن أجد السبيل إلى رؤيتك . وخرجت فجئت الغرفة التي كنا ننزلها ، فإذا صاحبي مورم الأذنين ، وقد امتحن بمثل محنتي ، فلما مد يده إلى المال صفعوه ، وحلفت خالصة لئن رأته بعد ذلك لتودعنه الحبس ، فاستشارني في المقام فقلت : اخرج وإياك أن تقدر عليك . ثم التقتا ، فأخبرت كل واحدة صاحبتها بالخبر . وأحمدتني عتبة ، وصح عندها اني محب محق . . فلما كان بعد أيام جاءتني عتبة ، فقالت : بحياتي عليك - إن كنت تعزها - الا أخذت ما يعطيك الخادم فأصلحت به من شانك ، فقد غمني سوء حالك . فامتنعت . فقالت : ليس هذا ما تظن ، ولكني لا أحب أن أراك في هذا الزي . فقلت : لو أمكنني أن تريني في زي المهدي لفعلت ذلك . فأقسمت علي . فأخذت الصرة ، فإذا فيها ثلاثمائة دينار ، فاكتسيت كسوة حسنة واشتريت حمارا « . وهذه القصة تعطينا صورة واضحة قوية للحال التي كان عليها أبو العتاهية عندما جاء بغداد ، فهو في هذه الصورة الماجن المستهتر الذي يتخذ هو وصحبه المسجد مكانا لتدبير حماقاتهم ، ويكررون ذلك كل يوم . بل إنه ليعبث بالدين عبثا واضحا عندما يتظاهر بأنه راهب رغب في الإسلام على يدي فتاة جارية ، فإذا دخل هو والقوم إلى المسجد لصلاة العصر ، فهو لا يصلي وإنما يتخذ المسجد مسرحا لعبثه وتحامقه ، فالقوم يصلون بينما هو يظل ينظر إلى معشوقته ، هذا فضلا عما تظهره فيه الصورة من رقة حاله وقذر منظره . والقصة بعد هذا تدل دلالة قاطعة على أنه على الرغم من أنه بدأ مغازلته عابثا ، إلا أن هذا العبث استحال إلى حب حقيقي تتصل أسبابه بينه وبينها ، ويرفض أن يأخذ منها مالا مع حاجته اليه ، وكلما الحت ازداد إباء ورفضا حتى تأكد لها أنه محب محق ، فلان له قلبها ، ومالت اليه ، وكان المال الذي اخذه منها أخيرا ، ليكتسي ، دليلا على حبها وعربونا لما هما مقبلان عليه من غرام عنيف . يحتال أبو العتاهية لتقبيل يد عتبة ويظل أبو العتاهية بعد ذلك يترصد لها ليظفر برؤيتها في الأماكن التي تتردد عليها ، وهو في سبيل ذلك يتوسل بحيل شتى يعمي بها على الناس ويمنع عنها الحرج والأذى . فمن ذلك أنه جاءها في سوق النخاسين في زي متنسك فقال : جعلني الله فداك ! شيخ ضعيف كبير لا يقوى على الخدمة ، فان رأيت أعزك الله شرائي وعتقي فعلت ماجورة . فأقبلت على صاحبها فقالت : إني لأرى هيئة جميلة وضعفا ظاهرا ، ولسانا فصيحا ورجلا بليغا ، فاشتره وأعتقه . فقال : نعم . فقال أبو العتاهية : أتأذنين لي أصلحك الله في تقبيل يدك . فأذنت له ، فقبل وانصرف . ولم يكن أبو العتاهية - وهو المشبوب المدلة - ليقف غرامه عند حد الاستمتاع بالنظر إلى محبوبته وتقبيل يدها ، في مسجد أو في حانوت أو في سوق ، وإلا لكان ذلك منه حبا قاصرا وغراما فاترا ، وانما هو يركب الصعب في سبيل شيء أعز وأبعد منالا ، هو الحصول على عتبة بروحها وجسدها ، ويسعى في ذلك سعيا حثيثا مستعينا في سبيل مطلبه باصدقائه من مخالطي الخليفة ومجالسيه ، مستعينا كذلك بفنه وشعره الذي تلهمه إياه حبيبته . فهو مثلا يرجو صديقه الموسيقى المغني يزيد حوراء أن يعمل لحنا في قوله : نفسي بشيء من الدنيا معلقة الله والقائم المهدي يكفيها إني لإياس منها ثم يطمعني فيها احتقارك للدنيا وما فيها ويغني به المهدي الذي يعد بالنظر في المسألة ، ثم ينسى أو يتناسى ، ويتعجل أبو العتاهية الأمر ، فيوعز إلى يزيد أن يغني المهدي بهذين البيتين : ليت شعري ما عندكم ليت شعري فلقد أخر الجواب لأمر ما جواب أولى بكل جميل من جواب يرد من بعد شهر قال يزيد : فغنيت به المهدي ، فقال : علي بعتبة ، فأحضرت ، فقال ان أبا العتاهية كلمني فيك فما تقولين ، ولك وله عندي ما تحبان مما لا تبلغه أمانيكما ؟ فقالت له : لقد علم أمير المؤمنين ما أوجب الله علي من حق مولاتي ، وأريد أن أذكر لها هذا ، قال : فافعلي . . قال وأعلمت أبا العتاهية . ومضت أيام فسألني معاودة المهدي ، فقلت : قد عرفت الطريق ، فقل ما شئت حتى أغنيه به ، فقال : أشربت قلبي من رجائك ما له عنق يخب إليك بي ورسيم وأملت نحو سماء جودك ناظري أرعى مخايل برقها وأشيم