حسن الأمين
337
مستدركات أعيان الشيعة
قال لنا الأستاذ الغزي ، وهو أوثق من يروي سيرته للصداقة الوثيقة التي كانت بينهما : « . . . وقبل سفره بيوم واحد زارني في منزلي يودعني ، وأخبرني أنه عازم في غده على السفر إلى إستانبول لتبديل نيابته - أي نيابة قضاء راشيا - وكنت عالما بكتابه » جمعية أم القرى « ، وقد شعرت منه العزم على طبعه ، فوقع في نفسي أنه سيعرج على مصر لطبعه ونشره ، إذ لا يمكنه أن يطبعه في غيرها ، فحذرته من ذلك ، وقلت له : إياك يا أخي والسفر إلى مصر ، فإنك متى دخلتها تعذر عليك الرجوع إلى وطنك ، لأنك تعد في الحال من الطائفة المعروفة باسم » جونتورك « لا يتأخر وسمك بهذه السمة قيد لحظة ، لما اشتهرت وعرفت به من شدة المعارضة ، وانتقاد الأحوال الحاضرة . . فقال : لم أعزم إلا على السفر إلى إستانبول للغرض الذي ذكرته لك - وقد كتم سر سفره حتى عن أعز أصدقائه - ثم ودعني ومضى ، وأنا أسال الله تعالى أن يرعاه بعين رعايته ، وأن يجعل التوفيق رائده ، والنجاح مرشده وقائده . وكانت مبارحته حلب في أوائل سنة 1316 ه ، وبعد أن مضى على مبارحته حلب نحو بضعة عشر يوما لم نشعر إلا وصدى مقالاته في صحف مصر ، وأخذت جريدة » المؤيد « تنشر تفرقة كتاب » طبائع الاستبداد « الذي لم يطلعنا عليه مطلقا ، بخلاف كتاب » جمعية أم القرى « فقد أطلعنا عليه مرارا . . ثم إنه طبع الكتابين المذكورين ، وقام لهما في » المايين السلطاني « ضجة عظيمة ، وصدرت إدارة السلطان بمنع دخولهما إلى الممالك العثمانية ، بيد أنهما رغما عن ذلك كله وصلا إلى حلب على صورة خفية وقرأناهما في سمرنا المرة بعد المرة » . وفي مصر شعر أنه في وطن عربي حر ، فاخذ يرسل صيحاته المدوية التي انتظمها كتابه « طبائع الاستبداد . ومصارع الاستعباد » وهو كما قال : « كلمات حق وصيحة في واد ، إن ذهبت اليوم مع الريح ، فقد تذهب غدا بالأوتاد . . » . ويصف لنا الصحفي إبراهيم سليم النجار الفترة التي قضاها الكواكبي في مصر بقوله : « اتصل المرحوم الكواكبي بالمرحوم الشيخ علي يوسف صاحب » المؤيد « ، فتمكنت بينهما روابط الصداقة والود . فكنا نجتمع كل يوم في حلقتنا المعروفة في القاهرة ، فكنت والكواكبي ورفيق العظم والأستاذ كرد علي نؤلف حلقة مستقلة ، ولا نفترق ليلة إلا لنعود إلى الاجتماع في الغد . وحدث أن صدر « المؤيد » ذات يوم يحمل إلى قرائه كتابا غريب الشكل واللهجة والأسلوب والموضوع ، لم يسبق للمقطم أو سواه من الصحف التي عرفت يومئذ بكتاباتها الحرة أن كتبت مثله ، فلفت الكتاب إليه الأنظار ، وشغل الخواطر ، وأخذت الدعوة الحرة تلبس شكلا جديا ، وأخذ الكتاب والقراء والناس يتساءلون عن صاحب هذا الأثر البديع في جريدة « المؤيد » ، التي سلكت مسلك الصحف الحرة على رغم اتصالها الشديد بالخديو عباس الثاني وبالاستانة ، ويقولون : ترى من يكون صاحب كتاب « طبائع الاستبداد » ؟ . . فاعتقد الجمهور - لأول وهلة - أنه من نتاج قلم وتفكير الشيخ محمد عبده ، لولا الجفاء الذي كان مستحكما بين صاحب المؤيد وبينه - حتى قبل حادثة الموقوذة - ولولا بعد الشيخ محمد عبده ، عن كل من يتصل بالخديو قريبا وبعيدا ، فلم تمض أيام على انتشار ذلك الكتاب في « المؤيد » حتى عرف الكتاب الكواكبي ، فوضعوه دفعة واحدة في الدرجة الأولى بين رجال التفكير والقلم ، وأنزلوه منزلة الشيخ محمد عبده ، فعرفوا منزلته وأعلوا قدره . ولا يتسع المجال للإفاضة بالكلام عن كتاب « طبائع الاستبداد » فهو في متناول كل يد ، ولا تخلو منه مكتبة أديب ، وهو آيات سامية في بذر بذور الحرية في نفوس الناشئة وهد كيان المستبدين . وقد أعلمني نجله الدكتور أسعد الكواكبي أن والده قد أضاف على الكتاب بعد طبعه إضافات كثيرة ، والهوامش التي يحتفظ بها بقلم والده نؤلف كتابا مستقلا بحجم الكتاب المطبوع . وهو يعتزم طبع هذه النسخة الجديدة قريبا ، ليطلع العالم العربي على ثمرة أفكار والده في الحرية والاستعباد . والمعروف عند قراء العربية أن الكواكبي لم يترك غير كتاب « طبائع الاستبداد » وسجل مجموعة « أم القرى » مع أنه كتب كتابا كبيرا عنوانه « صحائف قريش » وهو من أثمن ما جادت به قريحته . . . ولكن أين هذا الكتاب ؟ لقد فقد ولا يعلم أولاده عنه شيئا . . ومن يدري فقد تكون الأيدي الأثيمة التي سطت على أوراقه عقب وفاته هي التي أضاعت على العالم العربي هذا الكتاب الثمين . . وإذ نعرف أن السيد الكواكبي بعد مكثه في مصر ، قد قام برحلة كبيرة إلى بلاد العرب وشرقي إفريقية وبعض بلاد الهند . . فمما لا شك فيه أنه دون الكثير من آرائه عن هذه الرحلة . وهذه الصحائف أيضا قد عبثت بها أيدي المستبدين ، فخسرت العربية أثمن ما كتبه رحالتنا الكبير بعد أن هجر وطنه إلى بلاد الحرية ، وبعد أن طوف في مختلف أرجاء العالم الإسلامي . كان الكواكبي يهدف في جميع اتجاهاته إلى تقويض سلطان الظلم وبذر بذور الحرية وإصلاح العالم الإسلامي ، وكان يصرخ من الأعماق : « الاستبداد داء أشد وطأة من الوباء ، أكثر هولا من الحريق . أعظم تخريبا من السيل ، أذل للنفوس من السؤال . داء إذا نزل بقوم سمعت أرواحهم هاتف السماء ينادي : القضاء القضاء . والأرض تناجي ربها بكشف البلاء . كيف لا تقشعر الجلود من الاستبداد ، وعهده عهد أشقى الناس فيه العقلاء والأغنياء . وأسعدهم بمحياه الجهلاء والفقراء ، بل أسعدهم أولئك الذين يتعجلهم الموت فيحسدهم الأصحاء » . « لو كان الاستبداد رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال : أنا الشر ، وأبي الظلم . وأمي الإساءة ، وأخي الغدر ، وأختي المسكنة ، وعمي الضر . وخالي الذل ، وابني الفقر ، وبنتي البطالة ، ووطني الخراب ، وعشيرتي الجهالة » . « يعيش الإنسان في ظل العدالة والحرية نشيطا على العمل ، أما أسير الاستبداد فيعيش خاملا خامدا ضائع القصد ، حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته ، ويدرج أيامه وأعوامه ، كأنه حريص على بلوغ أجله ليستتر تحت التراب » . « من طبائع الاستبداد أن الأغنياء أعداؤه فكرا وأوتاده عملا ، فهم ربائط المستبد ، يذلهم فيئنون ، ويستدرهم فيحنون . ولهذا يرسخ الذل في الأمم التي يكثر أغنياؤها . أما الفقراء فيخافهم المستبد خوف النعجة من الذئاب ، ويتحبب إليهم ببعض الأعمال التي ظاهرها الرأفة ، يقصد بذلك أن يغضب أيضا قلوبهم التي لا يملكون غيرها ، والفقراء كذلك يخافونه خوف دنائة ونذالة ، خوف البغاث من العقاب ، فهم لا يجسرون على الافتكار فضلا على الإنكار ، كأنهم يتوهمون أن داخل رؤوسهم جواسيس عليهم ، وقد يبلغ فساد الأخلاق في الفقراء أن يسرهم فعلا رضاء المستبد عنهم بأي وجه كان رضاؤه » . « الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان ، حتى إنه قد مكن بعض القياصرة والملوك الأولين من التلاعب بالأديان ، تأييدا لاستبدادهم . وقد وضع الناس الحكومات لأجل خدمتهم ، والاستبداد قلب الموضوع فجعل الرعية خادمة للرعاة ، وقد قبل الناس من الاستبداد ما ساقهم إليه من