حسن الأمين
338
مستدركات أعيان الشيعة
اعتقاد أن طالب الحق فاجر ، وتارك حقه مطيع ، والمشتكي المتظلم مفسد ، والنبيه المدقق ملحد ، والخامل المسكين هو الصالح الأمين ، وقد اتبع الاستبداد في تسمية النصح فضولا ، والغيرة عداوة ، والشهامة عتوا ، والحمية جنونا ، والإنسانية حماقة ، والرحمة مرضا ، كما جاروه على اعتبار أن النفاق سياسة ، والتحيل كياسة ، والدناءة لطف ، والنذالة دماثة » . « قد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحول ميلها الطبيعي من طلب الترقي إلى طلب التسفل ، بحيث لو دفعت إلى الرفعة لأبت وتألمت ، كما يتألم الأجهر من النور ، وإذا ألزمت بالحرية تشقى ، وربما تضنى . . . يطيب له المقام على امتصاص دم الأمة فلا ينفك عنها حتى تموت ويموت هو بموتها » . ويطول بنا المجال لو رحنا نقتطف هذه الكلمات الذهبية التي جاءت عرضا في الفصول التي كتبها محللا طبيعة الاستبداد وطغيان المستبدين . هذه الفصول التي اختتمها بصيحات من الأعماق ، أهاب بالشرق أن يستيقظ وأن يثور ، ليؤدي رسالته السامية التي أداها أسلافه للحضارة ، فمن هذه الصيحات قوله : « يا قوم : هداكم الله ، ما هذا الشقاء المديد ، والناس في نعيم مقيم وعز كريم ؟ أفلا تنظرون ! وما هذا التأخر ، وقد سبقتكم الأقوام ألوف مراحل أفلا تتبعون ؟ . . وما هذا الانخفاض ، والناس في أوج الرفعة ، أفلا تغارون ؟ . « يا قوم : وقاكم الله من الشر ، أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع ، وشرف القدوة ، مبتلون بداء التقليد والتبعية في كل فكر وعمل ، وبداء الحرض على كل عتيق ، فلما ذا تقلدون أجدادكم في الخرافات والأمور السافلات ولا تقلدونهم في محامدهم ؟ . . أين الدين ؟ أين التربية ؟ أين الاحساس ؟ أين الغيرة ؟ أين الجسارة ؟ أين الثبات ؟ أين الرابطة ؟ أين المناعة ؟ أين الشهامة ؟ أين النخوة ؟ أين الفضيلة ؟ أين المواساة ؟ هل تسمعون أم أنتم نائمون ؟ « يا قوم ، سامحكم الله ! لا تظلموا الأقدار ، وخافوا غيرة المنعم الجبار ، ألم يخلقكم أحرارا لا يثقلكم غير النور والنسيم ، فأبيتم إلا أن تحملوا على عواتقكم ظلم الضعفاء وقهر الأقوياء ؟ . « يا قوم ، جعلكم الله من المهتدين ، كان أجدادكم لا ينحنون إلا ركوعا لله ، وأنتم تسجدون لتقبل أرجل المنعمين ولو بلقيمة مغموسة بدم الاخوان ! وأجدادكم ينامون الآن في قبورهم مستوين أعزاء ، وأنتم أحياء معوجة رقابكم أذلاء ! البهائم تود لو تنتصب قامتها ، وأنتم من كثرة الخضوع كادت تصير أيديكم قوائم ! . . النبات يطلب العلو ، وأنتم تطلبون الانخفاض ! لفظتكم الأرض لتكونوا على ظهرها ، وأنتم حريصون على أن تنغرسوا في جوفها ! فان كانت هذه بغيتكم فاصبروا قليلا لتناموا طويلا » . بهذه الصيحات كان ينبه الشرق ويثيره ، ويبذر في حقوله بذوره الصالحة لينشا أفراده على بغض الاستبداد وتقديس الحرية والايمان بالمثل العليا . وقد ذهب البعض إلى أن كتاب « طبائع الاستبداد » منقول عن الإيطالية ، ومنهم من قال إنه معرب عن جان جاك روسو ، وذهب غيرهم إلى أن هذه الآراء هي آراء بطل الحرية مدحت باشا ، إلى آخر ما ذهب إليه المغرضون الذين لا تهدأ ثائرة ضغائنهم إلا إذا جردوا أصحاب المواهب من مزاياهم وفضائلهم ، وقد رد كثيرون على هذه التهم الباطلة . ويقول الأستاذ النجار بهذا الصدد : سبق لي أن قرأت في شبابي كتاب « الكونترا سوسيال » لجان جاك روسو ثم انقطعت عن الرجوع إليه ، فلما قرأت كتاب « طبائع الاستبداد » أعاد إلى ذاكرتي كتاب الكاتب الافرنسي العظيم . ولو كان الشيخ العربي يعرف ولو قليلا اللغة الفرنسوية لاعتقدت بأنه أخذ عنه أو احتذى حذوه . ولكن الحقيقة هي أن العقول النيرة ، والقلوب الكبيرة نيرة وكبيرة ، مهما اختلفت لغاتها وبلادها وأقاليمها . ولو ملكت سلطة في هذا الشرق العربي لأوجبت تدريس هذا الكتاب في جميع المدارس ، لأنه ينشئ الشباب على حب الحرية ومقاومة الظلم والاستبداد أنى كان مصدرهما وعمن صدرا ، دون تعصب ذميم ، ولطبعت ألوف النسخ عنه ووزعتها على الناس في هذه البلاد الضعيفة الخانعة المستكنة ، ففي بعض الكتب شعاع من أرواح الأنبياء ، وقبس روحاني من أقباس السماء . والواقع أن الكواكبي كان صاحب رسالة حرة ، فمذ نشأته إلى أن طواه القدر ظل هذا المفكر الحر الذي يرسل صيحاته المدوية في الحرية والاستبداد ، دون أن يهلع فؤاده أو يضطرب جنانه ، ودعوته كدعوة المصلحين الأحرار ، لم تذهب صيحة في واد . لا . . . فقد كان لها [ اترها ] أثرها المدوي . واستيقظ الشرق ، وهو يذكر اليوم لهداته المصلحين يدهم في هذا التحرر والبعث . . . والكواكبي من هؤلاء الهداة الذين عملوا في سبيل نزع الغشاوة عن عقل الشرق ، ليهب ويستيقظ ، ويستعيد مجده السالف ، ثم ليبدع ويعمل في بناء دعائم الحضارة من جديد . ومن المؤسف أن الكواكبي لم يعمر طويلا ، فقد مات في نضوج كهولته ، أي في الخمسين من عمره . ولو مد الله في حياته لترك للجيل العربي الكثير من المؤلفات في شتى قضايا المجتمع ، ولكنه توفي في ظروف غامضة ، اختلف الناس في تأويلها ، ومنهم أصدقاؤه وذووه الذين لا يزالون يعتقدون أن يدا مجرمة هي التي دست إلى طعامه السم ، وأن هذه اليد قد امتدت من قصر يلدز ، أو ممن يمت بصلة إليه من مواطنيه ، ويريدون أن يقولوا إن للسيد أبي الهدى الصيادي يدا في هذه النهاية . ولا بأس من أن أختتم مقالي هذا بكلمة للأستاذ إبراهيم سليم النجار ، قال . « لقد حدث لي في حياتي الصحفية الطويلة في مصر وسوريا والاستانة والغرب أن حدثت كثيرين من أهل الرأي والعلم والسياسة في شؤون جمة ، فأقول ، وأشهد الله على ما أقوله : إنني لم أعرف كثيرين من الذين حدثتهم كانوا في مثل اطلاع الفقيد على شؤون الشرق وسعة علمه ، وجلاء رأيه ، وقوة حجته ، وصلابة يقينه ، ولقد كان يصرح لي بآراء أعترف اليوم على رؤوس الأشهاد بأنني لا أجرؤ على الجهر بها » .