حسن الأمين

333

مستدركات أعيان الشيعة

مستدرك على المستدركات أحمد أبو العلاء المعري : مر في هذا المجلد كلام عن علاقة الكوميديا الإلهية لدانتي برسالة الغفران لأبي العلاء المعري . وقد ألف الدكتور صلاح فضل كتابا بعنوان ( تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي ) علق عليه عبد السميع المصري بعرض هو في صميم ما ذكرناه فيما تقدم من هذا المجلد في موضوع رسالة الغفران والكوميديا الإلهية ، ونحن نأخذ هنا هذا العرض لنرى الآراء المتباينة في هذا الموضوع : « تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي » . دراسة جادة في الأدب المقارن « تعطي لنا دفعة قوية من الثقة المدعمة بالبراهين العلمية في ثقافتنا القومية وتحفزنا إلى الاعتزاز الواعي بتراثنا وتساعدنا على التخلص من حساسية المتخلف الذي يخشى عواقب الاتصال الفكري على أصالته مع أنه شرط جوهري لتغذيتها وإنمائها . وليس أدل على ضخامة الجهد الذي بذل في هذا الكتاب من قول مؤلفه الدكتور صلاح فضل في مقدمته « من هنا نشبت ضرورة هذا البحث الذي حاول أن يستوعب بشكل مباشر المادة العلمية المقارنة التي استخدمت في الدراسات الأوروبية - على سعتها - ويطلع على نصوصها العربية الأصيلة - على كثرتها - ثم يقدم إعادة ترجمة وعرض لوثيقة المعراج التي أصبحت البرهان الأخير في القضية . ويبحث عن نماذج لنظائرها في التراث متفرقة حتى يعثر عليها مجتمعة » . وقد مهد المؤلف لبحثه بفصل عن الأدب المقارن عرف فيه هذا الأدب بقوله أنه « العلم المنهجي الذي ينشد دراسة روابط التشابه والقرابة والتأثير بين الأدب ومظاهر المعرفة الإنسانية الأخرى أو بين النصوص الأدبية نفسها ، مما قد يبدو للوهلة الأولى متباعدا في الزمان أو المكان ، يشرط أن ينتمي إلى لغات أو ثقافات عديدة ، حتى ولو كانت تدين لتراث مشترك واحد ، وتنحو هذه الدراسة إلى وصف ظواهر الالتقاء الأدبي وفهمها وتذوقها بأكبر قدر من التعمق والاستبصار ، مما يجعلها تتخذ منهج الوصف التحليلي والمقارنة المنظمة التي لا تلغي الفروق بين الأشياء ، بل تبرزها وتئولها كظواهر أدبية تقوم بين اللغات والثقافات المختلفة استجابة لعوامل تاريخية ونقدية وفلسفية . كل هذا بهدف النفاذ إلى فهم الأدب ووظائفه الحيوية في خدمة الروح الإنساني العام » . لكنه يسارع إلى التحذير من البحث عن المكاسب والانتصارات الفنية للعمل المؤثر نتيجة لسبقه الزمني فحسب ويطالبنا بافتراض مجرد التوافق العفوي لا سيما ونحن نعالج أثر الثقافة الإسلامية في واحدة من قمم الإبداع الأوروبي في العصور الوسطى . . فلا نغرق في البحث عن عوامل الفخر القومي أو الحماس لمؤثراتنا فيه . ثم يدعونا في هذا الفصل إلى عدم التخوف أو الاعراض عن التراث الإنساني والتأثر به الذي يختلف عن التقليد « لأن الشعوب لا تثري على أساس الفروض الشكلية وإنما اعتمادا على استصفاء المبادئ التي تجدد حياتها الفكرية وامتصاصها بروية وتمهل وعند ما يحدث تماس بين حضارتين مختلفتين ويبتل ريق شعب بحلاوة الآخر فان المزيج الذي يتكون منهما لا يدانيه شيء في قوته المخصبة الخلاقة لكن عندما يقتصر الأمر على مجرد التقليد فإنه لا ينبت من ذلك سوى الأزهار الصناعية المفتعلة » . وإذا أثبتت الدراسة التي بين أيدينا مدى تأثر دانتي بالثقافة العربية والإسلامية . . ودانتي هذا هو الذي تدين له الآداب الأوروبية في العصر الوسيط بالشيء الكثير . . لا تضح لنا مدى اتصال التراث الإنساني وتشابك علاقاته مما يدعونا لأن نكون أكثر حرية في الأخذ من هذا التراث اليوم دون أدنى حساسية . ثم يفرد الدكتور صلاح بعد ذلك فصلا لتاريخ اتصال دانتي بالثقافة الإسلامية وتأثره بها فيروي كيف أن المستشرق الإسباني أسين بالاثيوس ( 1871 - 1944 ) هو أول من تعرض لهذا الموضوع منذ ستين عاما باعتباره فرضا علميا قضى سنوات عديدة يجمع الأدلة والبراهين لإثباته ، لكنه لا يستطع أن يحسم الأمر لافتقاده الدليل المادي الذي يثبت اطلاع دانتي على التراث العربي لكن بعد وفاته بخمس سنوات ظهرت ترجمة قديمة لرواية مطولة عن معراج الرسول ص ليلة أسرى به من مكة إلى بيت المقدس كتبت باللاتينية والفرنسية القديمة مما رجح اطلاع دانتي عليها . ومنذ ذلك التاريخ أصبح الموضوع مسلما به في الأدب المقارن كنموذج واضح للتأثير الإسلامي في الأدب الأوروبي وأصبحت القضية كلها مسلما بها ومفروغا منها في الأوساط العلمية والأدبية في العالم كله . وفي عام 1949 قام كل من الباحث الإسباني مونيوث سندينو والباحث الإيطالي انريكو تشير ولي بنشر الترجمات اللاتينية والفرنسية لوثيقة « معراج محمد » دون اتفاق مسبق بينهما من مخطوطات مكتبات أكسفورد بانجلترا والمكتبة الوطنية بباريس ومكتبة الفاتيكان وغيرها من دور الكتب . كما عرف العالم من هذه الوثيقة أن ملك أسبانيا ألفونسو العاشر كان قد أمر إبراهام الحكيم الطبيب اليهودي الذي كان يعمل في بلاطه بترجمة قصة المعراج الإسلامية من العربية إلى القشتالية عام 1263 وكانت هذه الترجمة أصلا لترجمة أخرى إلى اللاتينية والفرنسية قام بها بوينا فينتورادي سينا الموثق الإيطالي الذي كان يعمل أيضا في بلاط الفونسو سنة 1364 أي قبل ميلاد دانتي بسنة واحدة . وفي الفصل التالي من الكتاب المعنون « عوامل التأثير ومستوياته » يحاول الدكتور صلاح تقديم المزيد من الأدلة ليؤيد قضيته الثقافية فيمهد لذلك بقوله « إن الثقافة إنما هي كل معقد متشابك يشمل المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقوانين والعادات وجميع مظاهر الخلق التي يبدعها الإنسان ويكتسبها في مجتمع من المجتمعات ومن هنا فان الآداب سواء كانت رسمية أو شعبية والمعتقدات سواء كانت دينية أو أسطورية . . مسجلة كتابة أو متداولة شفاها . . كل ذلك يدخل من باب الثقافة العريض . . وفي ضوء هذا المفهوم نرى بوضوح أن المؤثرات الإسلامية في الكوميديا الإلهية ذات طابع ثقافي شامل ، فهي لا تقتصر على نصوص أدبية بذاتها ولا على الأفكار الدينية المعتد بها ، بل تخللتها عناصر فولكلورية شعبية ، لعب خيال الناس فيها دورا هاما وأشبعها بقدر كبير من المبالغة والتحرر » . ويضيف أن معرفة دانتي للتراث الإسلامي وتصور المسلمين لمجالي العالم الآخر حفزته إلى اتخاذ نموذج الرحلة إلى عالم الغيب قالبا فنيا لعمله ، خاصة عندما بهرته المشاهد الإسلامية بما تحفل به من تنظيم دقيق وصور فنية ولم تكن محاكاة النماذج القديمة شيئا معيبا في عصر دانتي بل كانت قانون الكلاسيكية العام وروحها الغالب . . تكتسب بها الأعمال الفذة لونا من مشروعية الوجود وتبرير النهج . ومن المسلم به أن قنوات الاتصال بين أوروبة والعالم الإسلامي التي سهلت التبادل الثقافي بينهما وساعدت على تأثر الأدب الأوروبي بصفة خاصة بالثقافة الإسلامية . . هذه القنوات بدأت تتفتح منذ القرن الثامن الميلادي متمثلة في الحركة التجارية المتنامية ثم حركة الحجيج من أوروبة إلى بيت المقدس ثم الحروب الصليبية وما أدت إليه من إنشاء إمارات مسيحية يحكمها أوروبيون في قلب الشرق الأدنى . . ثم منارات العلم الإسلامي في صقلية