حسن الأمين
334
مستدركات أعيان الشيعة
والأندلس على سبيل المثال والتي كانت قبلة لكل راغب في العلم من أهل أوروبة . . ثم ذلك الدور المنقطع النظير الذي قامت به الأندلس الإسلامية سواء في الترجمة أو احتضان وفود الدارسين من أنحاء أوروبة ونقل التراث الإسلامي إليها مترجما . . . ولقد حفظ التاريخ كثيرا من الترجمات التي تمت في تلك الفترة الثرية لا سيما ما بين القرن الحادي عشر الميلادي والقرن الثالث عشر عندما بلغت حركة الترجمة قمة ازدهارها في عهد الفونسو العاشر ملك قشتالة . الذي كان يسمى بالعالم لاهتمامه الشخصي الكبير بترجمة العلوم الإسلامية والتي كان من بينها مؤلفات الخوارزمي والفرغاني وابن سينا والزرقالي وغيرهم ، حتى فاض العلم الإسلامي على أوروبة وملأها خصبا . وإذا كان دانتي منذ ولد عام 1265 وكتب الجزء الأول من الكوميديا الإلهية عام 1307 في وقت كانت الترجمات اللاتينية والفرنسية لقصة المعراج لها شهرتها في الأوساط الأدبية ، فلا شك أنه قد وجد الفرصة للاطلاع عليها ودراستها الدراسة التي تركت بصماتها على عمله العظيم ولا سيما إذا علمنا أن كثيرا من رواد الترجمة كانوا يكثرون من التردد على إيطاليا وخاصة فلورنسا موطن دانتي والحوار والمشافهة كانت وما زالت من عوامل انتشار الثقافة . كما أن هناك قسيسا يدعى سان بدرو باسكوال معاصرا لدانتي وعاش في فلورنسا له مؤلف بعنوان « تفنيد مزاعم الطائفة المحمدية » أورد فيه قصة المعراج بالتفصيل ، وقد اشتهر كتابه هذا في جميع الأوساط المسيحية الأوروبية وكان في متناول دانتي مما يرجح لدى بعض الباحثين أن هذا الكتاب كان الوسيلة التي تعرف دانتي من خلالها على القصة الإسلامية . كل هذه المراجع والاتصالات الشخصية بين دانتي ومعاصريه من المهتمين بالعلوم الإسلامية والتوافق التام بين كثير من عناصر الكوميديا وقصة المعراج ، جعل المفكرين الايطاليين أنفسهم يؤكدون أنه لم يعد هناك مجال لأي شك في اطلاع دانتي على قصة المعراج التي كانت مترجمة بثلاث لغات أوروبية هي لغات العلم في عصره . . وتأثره بها . . « الكوميديا » ورسالة الغفران ولا يكتفي الدكتور صلاح فضل بهذه الأدلة فيقدم لنا مقارنات طريفة ممتعة بين الكوميديا « ورسالة الغفران » التي كتبها أبو العلاء المعري في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي ، والتي تعتبر من أنضج نماذج الثقافة الإسلامية والعالمية . ورسالة الغفران - وكذلك الكوميديا الإلهية - رحلة للعالم الآخر تتميز بخلوها من عناصر الخوارق والمعجزات التي تحفل بها روايات الأسراء والمعراج الأخرى . « فباستثناء الفكرة الأساسية للرحلة - التي تقع في نطاق المعجزات - تمضي الحوادث بعد ذلك على نسق أقرب ما يكون إلى منطق الحياة المألوفة . . فالمسافر عند أبي العلاء ليس نبيا ولا وليا ولا من كبار الأبطال ، ولكنه مجرد إنسان عادي يقترف الذنوب ويسعى في الأرض مثله في ذلك مثل دانتي بطل الكوميديا . كما أن الشخصيات التي تقوم بالأدوار الثانوية ليست في معظمها من الأنبياء أو القديسين وإنما هم أناس عاديون منهم المؤمن والكافر مثل الذين نجدهم أيضا عند الشاعر الإيطالي . وعلى هذا فان الخاصية الإنسانية الواقعية الأرضية في الكوميديا تجد سابقتها الأدبية الكبرى عند شاعر المعرة العربي » . ويتفق دانتي مع أبي العلاء في معاني التسامح وسعة الأفق في معاملة الأرواح وفي خروج بعضها إلى الجنة بعد رحلة التطهر . بل إن التشابه في بعض أجزاء العملين يصل إلى درجة التطابق فنجد في رسالة الغفران قصة لقاء ابن القارح بحوريتين من الحور العين يبهره جمالهما ، فيقبل كل واحدة منهما ويرتشف رضابها ويتمثل في حسنها بأبيات لإمرئ القيس فتستغرقان في الضحك وتقول إحداهما « أتدري من أنا يا علي بن منصور ؟ فيقول أنت من حور الجنان اللاتي خلقهن الله جزاء للمتقين . . فتقول ، أنا كذلك بانعام الله العظيم ، غير أني كنت في الدار العاجلة أعرف بحمدونة وأسكن في باب العراق بحلب وأبي صاحب رحى وتزوجني رجل يبيع السقط فطلقني لرائحة كرهها من في ، وكنت من أقبح نساء حلب فلما عرفت ذلك زهدت في الدنيا الغرارة وتوفرت على العبادة فصيرني ذلك إلى ما ترى » . وبعيدا عن أسلوب المعري الساخر في هذه القصة نرى الشبه الكبير بينها وبين بعض الوقائع عند دانتي كلقائه مع بياسينا في المطهر ومع بيكاردا الفلورنسية في سماء القمر . والأولى تنعي حظها التعس وشقاءها مع زوجها مثل حمدونة أما بيكاردا فتبدوا رائعة الحسن رغم دمامتها في الدنيا وكلاهما تذكر لدانتي قصتها في الدنيا وموطنها واسمها الدنيوي . وغير ذلك من التشابه الذي يبلغ درجة التطابق بين الكوميديا ورسالة الغفران كثير مما ذكره الدكتور صلاح ولا سيما صور العبور على الصراط يوم القيامة . وبعد ذلك ينتقل الدكتور صلاح في رياض كتابه ليحدثنا عن العناصر الصوفية في الكوميديا الإلهية فيقول « ان الكوميديا الإلهية - طبقا لهذا الفهم - تعبير مجازي عن حياة دانتي الشخصية وعن خلاص البشرية . فدانتي نموذج للإنسان الذي أضله الجهل وأعمته الشهوات لكنه يستطيع أن يتحرر من عبودية الشر بهداية من عقله وفضل من الله تعالى ، وذلك عن طريق التطهر والتوبة من الذنوب ، هذا التطهر الذي يرمز إليه بالرحلة إلى الجحيم والمطهر . وعند ما يظفر بهذا الكمال الخلقي يصعد - عن طريق التأمل وبنعمة من الله - إلى السعادة الخالدة التي تتمثل في لذة الاستمتاع برؤية الذات العلية . . . فدانتي إذن مثل المتصوفة المسلمين عامة وابن عربي بصفة خاصة يستخدم معراج الإنسان إلى السماوات ، ليرمز به إلى الدراما الصوفية للتجدد الأخلاقي للأرواح بالايمان والكمال والصلاح » . ثم يفرد الدكتور صلاح بعد ذلك أطول فصول الكتاب « للتحليل المقارن لأجزاء الكوميديا الإلهية » ولما كان الكتاب رحلة في العالم الآخر فان دانتي يبدأ رحلته من « الليمبو » أي الأعراف التي ورد ذكرها في القرآن الكريم ، ويحددها دانتي بأنها منطقة تقع فوق الجحيم مباشرة أي أنها البهو المفضي إليه وتنقسم إلى شطرين أولهما ما يلي الجحيم وتسكنه أرواح الأطفال ومن ماتوا دون أن يعملوا خيرا أو شرا . أما الشطر الثاني فهو سهل عميق تحف به الأشجار ويحميه من حوله جدول جميل وفيه تسكن أرواح من ماتوا على الفطرة قبل الأديان وأرواح الحكماء والفلاسفة والأبطال ممن لم يعتنقوا المسيحية عند دانتي بالرغم من نبلهم وحكمتهم . ولا يعاني هؤلاء من العذاب سوى الحرمان من الجنة والشوق الذي لا يحدوه أمل . وظهور الأعراف في الفكر المسيحي بدأ بدانتي . ومعنى ذلك أن المصدر الوحيد له في تصورها هو الثقافة الإسلامية ، التي تفننت كتبها في رسم صور شائقة للأعراف ومكانها ونوع العذاب الوحيد الذي يعانيه سكانها وهو شوقهم إلى الجنة وحرمانهم منها إذ لم يدخلوها وهم يطمعون . كما يجمع الباحثون على أن « كل أوصاف الجحيم الواردة في العهد القديم - التوراة - والأدب الكلاسيكي وفي العصور الوسطى الأولى السابقة لدانتي كانت أوصافا بسيطة مبهمة لا لون لها . ولا تشبه بحال تلك الصورة