حسن الأمين

328

مستدركات أعيان الشيعة

حدثت في الشام ، وأهم تلك الحوادث ، هي حركة يحيى بن زيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وحركة الأزديين التي كان يترأسها جديع بن علي الكرماني ( الأزدي ) . كان الوضع السياسي العام في خراسان بعد وفاة هشام بن عبد الملك - حسب ما رأينا - يساعد على ظهور أي اتجاه سياسي معاكس لسياسة الأمويين - وعلى نمو أية حركة تطالب بإسقاط الحكم الأموي لها في خراسان فحسب بل في أكثر أقاليم الدولة ، وعلى هذا عندما قتل زيد بن علي بن الحسين في الكوفة في عام 122 ه‍ - 740 هرب ابنه يحيى بن زيد متسترا عن طريق نينوى - المدائن إلى خراسان ، وهو طريقها آنذاك ، معتمدا على جمع الشيعة هناك والخروج على بني أمية في إقليم يساعده على ذلك ، فوصل إلى بلخ وأقام فيها عند الحرشي بن عمر بن داود حتى مات هشام بن عبد الملك وولى الوليد بن يزيد ، الا ان عيون يوسف بن عمر اكتشفت الأمر ، فكتب إلى نصر بن سيار « ابعث إلى الحرشي حتى يأخذ بيحيى أشد الأخذ فبعث نصر إلى عقيل بن معقل الليثي ، وهو عامله على بلخ ، أن يأخذ الحرشي فلا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد ، فدعا عقيل فضربه ستمائة سوط ، وقال : والله لأزهقن نفسك أو تأتيني به ، فقال : والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه فاصنع ما أنت صانع ، فوثب ابن الحرشي فقال لعقيل : لا تقتل أبي ، وأنا آتيك بيحيى فوجه معه جماعة فدلهم عليه » ، فوضع يحيى في الحبوس ، وكتب بذلك إلى الوليد بن يزيد ، فأمر بإطلاق سراحه وجماعته ، فأطلق نصر سراحه وأمر له بألفي درهم ، وأن يلحق بالوليد ، وقيل « بل احتال يحيى بن زيد حتى هرب من الحبس وصار إلى بيهق من ارض أبرشهر فاجتمع اليه قوم من الشيعة فقالوا حتى متى ترضون بالذلة واجتمع معه نحو مائة وعشرين رجلا » ربما كان هرب يحيى بن زيد من سجن نصر بن سيار أقرب إلى الحقيقة من منحته النقدية وأمر الوليد ابن يزيد بإطلاق سراحه ، الذي أمر بالانتقام من جسد أبيه المعلق على جذع نخلة خاوية في كناسة الكوفة بان يحرق وينثر مع الريح فوق وجهة نهر الفرات ، على كل حال ، سار يحيى بن زيد إلى سرخس فأقام بها ، وكان نصر بن سيار يراقب حركاته بدقة ، حتى وصل إلى الجوزجان وهناك أعلن الثورة على الحكم الأموي ، فظهر يحيى مجاهدا زاهدا ورعا يدعو لنفسه بعد ان أذاع في الناس منهج ثورته وهو منهج ثورة زيد بن علي ، ويتلخص ذلك المنهج في « البيعة على كتاب الله وسنة رسوله ، والدفاع عن الضعفاء ورد العطاء إلى من سلب منهم ، وتوزيع الفيء بعدل بين مستحقيه ، وإعادة المجاهدين في الجهات النائية إلى بلادهم والدفاع عن آل الرسول » . ويكاد منهج ثورة يحيى بن زيد يتلاقى في نقاطه الأساسية مع منهج ثورة الحارث بن سريج ، المعتصم في إقليم ما وراء النهر ، ولعل البعد الجغرافي ووعورة المنطقة حالت دون التقاء يحيى بالحارث ومقاومة الأمويين معا في المرحلة الأولى من الثورة على الأقل ، وللاختلاف الجذري في موضوع الخلافة بين الثورات العلوية على اختلاف فرقها وثورة الحارث ، حيث إن الحارث لم يطرح موضوع الخلافة صراحة في ثورته في خراسان . حاول يحيى بن زيد أن يجمع حول رايته الثوار من كل اتجاه سياسي معاد للأمويين لذلك حاول قبول « المحكمة » من فرق الخوارج ، لتحمسهم الشديد ضد الأمويين « فنهاه يزيد بن عمرو وقال : كيف تقاتل بقوم تريد أن تستظهر بهم على عدوك وهم يبرؤون من علي وأهل بيته ، فلم يطمئن إليهم غير أنه قال لهم جميلا » وفي « هذا دلالة على ما كان يشعر به الخوارج من اتفاق مع الزيدية في الخروج على الامام الظالم » وبدأت الحرب بين يحيى وجماعته وجيوش نصر بن سيار بالقرب من نيسابور بقيادة عمرو بن زرارة ، وكان النصر ليحيى بن زيد إلا أن نصر بن سيار سير اليه أشجع قواده سلم بن أحوز ، فلحقه بالجوزجان فقاتله قتالا شديدا حتى قتل يحيى بن زيد وقيل قاتله سلم بن أحوز المازني ( من بني تميم ) دون هراة ، فقتله سورة بن محمد بن عزيز الكندي ، وصلبه بالجوزجان في طاق ، وصلب بإزائه رجلا من العرب يقال له مطر بن مطرف ، فما زال مصلوبا حتى خرج أبو مسلم الخراساني فأنزله وواراه وتولى الصلاة عليه ودفنه ، وأمر بالنياحة عليه في خراسان ، وقيل إن الذي انزل جسم يحيى بن زيد وغسله وكفنه ، وحنطه ثم دفنه هو خالد بن إبراهيم أبو داود البكري وقد جاء في معجم الأدباء ما نصه « وكان سلم بن أحوز والي بلخ والجوزجان من يده ( أي يد نصر بن سيار ) وهو الذي قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين وجهم بن صفوان الذي ينسب اليه مذهب جهم ووجه برأسيهما إلى مرو إلى نصر بن سيار ، فنصبا على باب تهدز مرو فكان سلم بن أحوز يقول » قتلت خير الناس وشر الناس « ، والمتفق عليه في كتب التراث وبلا خلاف ان جهم بن صفوان قتله مسلم بن أحوز أيام ثورة الحارث بن سريج عام 128 هبينما قتل يحيى بن زيد في أواخر عام 125 هأو في أوائل عام 126 هولما » بلغ الوليد قتل يحيى كتب إلى يوسف بن عمر : خذ عجيل أهل العراق فأنزله من جذعه ، يعني زيدا ، وأحرقه بالنار ثم انسفه بأليم نسفا « . لم تنته حركة يحيى بن زيد بمقتله ، لأنها عميقة في المجتمع الخراساني ولها جذورها ومواطنها في هذا الإقليم ، وقد تبلورت تلك الجذور وانتشرت بمقتل زيد بن علي في الكوفة ، ومبايعة بعض أهل خراسان له عندما خرج على هشام بن عبد الملك ، ولا بد كان ليحيى في خراسان من الأعوان والجماعات والقوة مما دفعته إلى إعلان الثورة على الأمويين في الجوزجان وتحقيق بعض الانتصارات على جيوشهم الكثيرة العدد ، والمجربة لتلك المواطن الوعرة ، والمتكاملة العدة للحرب والمران عليه . وبعد فشل حركة يحيى التف الشيعة بصورة عامة والزيدية معهم حول راية علوية أخرى جديدة بالرغم من عدم انتساب صاحبها إلى العلويين بخط مستقيم ، وهو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وقد خرج على السلطة عام 127 ه‍ ، وكان الوضع في العراق يساعد على الثورة آنذاك ، وقد التف الزيديون حول راية عبد الله بن معاوية وانضموا تحت لوائه يحاربون الأمويين بعقيدة راسخة ، لأن في مبادئ الزيدية الخروج على الامام الظالم الجائر ، وقد قام الزيدية في ثورة ابن معاوية بدور فعال ، فغلب على ماه الكوفة أولا ثم على ماه البصرة ( 1 ) ، بعد ان فشل في العراق ، وبعد أن اتسع ميدان معاركه وسيطرته ، امتدت المناطق التي سيطر عليها إلى همدان وقم والري ، وأصبهان ، وفارس ، وجعل قاعدته مدينة أصفهان ، ثم كون حكومته ووزع عماله » واستعمل أخاه الحسن على إسطخر ، وأخاه يزيد على شيراز ، وأخاه عليا على كرمان وأخاه صالحا على قم ونواحيها ، وقصدته بنو هاشم جميعا منهم السفاح والمنصور ، ومن بني أمية سليمان بن هشام بن عبد الملك ، وعمر بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان ، فمن أراد منهم عملا قلده ومن أراد صلة وصله « فاستطاع أن يبسط سلطانه على منطقة شاسعة في شرق الدولة الإسلامية ، ومن الخوارج الذين طردهم مروان بن محمد في الموصل التحقوا به . قدر مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية خطورة حركة عبد الله بن معاوية في العراق وامتدادها في إيران للاضطرابات السياسية المعادية فيها وبصورة خاصة في إقليم خراسان حيث تجمع الشيعة العلوية والعباسية والزيدية والخوارج لذلك بادر إلى القضاء على حركة ابن معاوية ليحول دون تجمع القوى المعارضة والمناوئة للأمويين تحت قيادته وقد تمكن من طرده من العراق وثابر على مطاردته في إيران ، بان امر الجيوش المقاتلة في

--> ( 1 ) يراد بماه البصرة ( نهاوند ) ، وماه الكوفة ( الدينور ) .