حسن الأمين

322

مستدركات أعيان الشيعة

سكن لي إذا دنا ازداد ليانا وبعدا فازددت بالقرب بعدا إذ تتضح فيه براعته في تشقيق المعاني ، وعرضه لها باعذب الألفاظ وأسهلها ، على قلتها ، وعلى تناوب الشعراء عليها ، وعلى فتنته بها ، وكثرة ترجيعه لها ، دون أن تغمض معانيه ، أو يلتوي أسلوبه ، فضلا عن المعاني الطريفة التي كان يستخرجها ، والصور اللطيفة التي كان يرسمها ، كذلك الضوء الذي نشره طيف صاحبته على أرض نجد لمروره بها ، وذلك المطر الذي انهل عليها لاجتيازه إياها ، وذلك الخيال الذي جعله رسول الشوق يحمل معه الخير والبركة للأماكن التي يسير فيها . وله بعد ذلك أوصاف كثيرة للطيف تفوق في كثرتها وفي جدة معانيها ودقة صورها ما لغيره من الشعراء السابقين والمعاصرين له ، بحيث نستطيع أن نسميه شاعر الطيف في العربية ، فقد حقق لوصفه مجموعة من التقاليد الفنية ، وأصلها ، من مثل تحديد الساعة التي يلم الطيف فيها ، والمسافة التي يقطعها بين أنجاد وأغوار ، إلى مفارز وقفار ، ومن مثل ترقبه له ، وانتظاره إياه ، ومن مثل وصفه له بأنه يبذل في النوم ما يضن به في اليقظة ، ومدحه بأنه يعلل المشتاق ، وذمه بأنه سريع الزوال ، وشيك الانتقال ، وأنه يهيج الشوق الساكن ، ويضرم الوجد الخامد ، إلى غير ذلك من المعاني التي رددها والتي وجد الشريف المرتضى فيها مادة غزيرة أقام عليها جزءا كبيرا من كتابه : « طيف الخيال » . أبو تراب يحيى بن إبراهيم بن أبي تراب الكرخي اللويزي ( 1 ) وصفه الذهبي في الصفحة 63 من الجزء 22 من كتابه ( سير أعلام النبلاء ) : بالشافعي الرافضي وقال في ترجمته : ولد سنة ست وعشرين وخمس مائة وتفقه على أبي الحسن بن الخل وسمع من الأرموي والكروخي وأبي الوقت وجماعة . وحدث بدمشق وبغداد . روى عنه ابن [ الدبيتي ] الدبيثي وابن خليل والقوصي ، فقال القوصي : أخبرنا المفتي قوام الدين يحيى معيد العماد الكاتب ، أخبرنا ابن الزاغوني - فذكر حديثا . وقال ابن نقطة : دخلت عليه سنة سبع وست مائة فرأيته مختلا ، زعم أن الملائكة تنزل عليه بثياب خضر ، في هذيان طويل ، وحدثني بعض أصحابنا انه كان إذا ضجر لما قرئ عليه الترمذي يشتمهم بفحش . وحدثني ابن هلالة قال : دخلت على أبي تراب فقال : من اين أنت ؟ قلت من المغرب ، فبكى ، وقال : لا رضي الله عن صلاح الدين ذاك فساد الدين ، أخرج الخلفاء من مصر ، وجعل يسبه فقمت . مات في شعبان سنة اربع عشرة وست مائة ( انتهى ) . ولا ندري كيف يجمع الذهبي بين صفة ( الشافعي ) وصفة ( الرافضي ) . وإذا كان مختلا فكيف يجالسونه ويقرؤن عليه ، وإذا كان يشتم تلاميذه بفحش فكيف يستمرون في القراءة عليه ؟ ! وما دام الرجل شيعيا فيجب ان لا نستغرب اي قول يقال فيه لا سيما من الذهبي . أبو جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي النقيب . مر الحديث عنه في المجلد العاشر ونزيد هنا على ذلك ما يلي مكتوبا بقلم الدكتور مصطفى جواد . نبغ بالبصرة في القرن السادس للهجرة بيت من البيوتات العلوية الحسنية ، كانوا يعرفون ببني أبي زيد وأبو زيد هذا هو محمد بن أبي عياش أحمد بن أبي علي عبيد الله بن أبي الحسن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ( ع ) . اشتهر هؤلاء بالعلم والفضل وجمعوا إلى شرف السيادة العلوية شرف العلم ، وجمال الأدب ، والبصرة وان لم تكن مدينة علوية الهوى استطاع أن يثور فيها على المنصور إبراهيم بن عبد الله الحسني قتيل باخمرى ( 2 ) وأن يخرج فيها على بني العباس باسم العلويين علي بن محمد صاحب الزنج وأول محرر لهم في الشرق ، والعلوي بطبيعته وسياسته يندر أن لا يكون متشيعا أو قائلا بالإمامة المنصوصة والخلافة الموروثة . وبنو أبي زيد العلويون البصريون كانوا كما يستبين لنا زيديين ، وقد نبغ منهم في أواسط القرن السادس « قطب الدين أبو طالب محمد بن محمد بن محمد بن علي بن أبي زيد المذكور آنفا » وكان مولده بالبصرة في خلافة المقتدي بأمر الله العباسي وسلطنة ملك شاه السلجوقي ، ونشا هناك نشأة السادة الأشراف وكان شيخ الأدب بالبصرة أبو محمد القاسم الحريري مؤلف المقامات الخيالية وشيخ الأدب في سواد البصرة أبو القاسم عبد الله بن محمد الخوارزمي المعروف بالكامل مؤلف كتاب « الرحل » وهي المقامات الحقيقية وكتاب « الفصول » في الأدب . ولعل الشريف أبا طالب محمد بن أبي زيد هذا قرأ المقامات أو سمعها على مؤلفها الحريري ، وللقراءة والسماع على المؤلف شان عظيم في دراسة القوم في تلك العصور ، وأقبل الشريف على كتب الحديث يسمعها على الشيوخ الثقات ، فقد سمع كتاب « سنن أبي داود » سليمان بن أشعث السجستاني ، وهو من أمهات كتب السنة ، على الشيخ أبي علي محمد بن أحمد التستري ، أحد التجار البحريين بالبصرة ، ممن جمع بين بضاعة الدنيا والآخرة ، وذلك أنه كانت له ثروة ومراكب في البحر وحفظ القرآن الكريم وسمع الحديث النبوي الشريف وكان حسن العقيدة ، صحيح السماع موثوقا بروايته - على ما ذكر بعض المؤرخين - توفي سنة « 479 » . كان عمر الشريف أبي طالب بن أبي زيد عشر سنين حين بدأ بسماع كتاب السنن على أبي علي التستري ولعل هذا الشيخ الثقة مرض في أثناء حضور الشريف مجالسه الحديثية ، فقد علمنا أن الشريف المذكور روى عنه الجزء الأول سماعا أي سمعه عليه حضورا وروى الجزء الثاني إجازة فقد أجاز له التستري روايته عنه ، والإجازة عندهم من نوع الهبات العلمية تستدعيها الثقة بالتلميذ قبل كل شيء ، ولم يكن الشريف قد بلغ من العمر والدراية ما يستحق الثقة ، ولذلك ظننا أن خوف الموت هو الذي استخرج هذه الهبة الثمينة ، وأن مرض التستري هو الذي رشح الشريف لذلك . وسمع الحديث أيضا على الشيخ أبي طاهر محمد بن علي بن العلاف من مشهوري المحدثين هو وأبوه وجده ، وسمع أيضا على الشيخ أبي طاهر جعفر بن محمد القرشي العباداني ، وكان شيخا صالحا إلا أنه كان أميا توفي سنة « 493 » هبالبصرة ، وأهل الحديث في ذلك الزمان ينظرون إلى عمر الشيخ وما سمعه من الكتب ، والصدق والاستقامة ولا يلتفتون إلى الأمية ولا إلى الثقافة ولا إلى غيرهما . وسمع الشريف أبو طالب على غير هؤلاء الشيوخ وبرع في الفنون الإسلامية وظهر فضله واشتهرت معرفته ، وولي نقابة الطالبيين بالبصرة ، في أيام نقيب نقبائهم أبي عبد الله أحمد بن علي بن المعمر العلوي الحسيني

--> ( 1 ) نسبة إلى محلة اللويزية محلة مشهورة كانت بشرقي بغداد . ( 2 ) باخمرى قرية كانت قرب الكوفة جرت عندها الوقعة بين الجيشين جيش إبراهيم وجيش المنصور سنة 144 ه‍ .