حسن الأمين

323

مستدركات أعيان الشيعة

المتوفى سنة « 569 » المدفون بالمدائن « سلمان باك » في مشهد أولاد الحسن بن علي ( ع ) . كانت الطبقات المتميزة ( 1 ) « الارسطقراطية في ذلك العصر » ثلاثا : طبقة العباسيين وطبقة العلويين ومن جرى مجراهم من آل أبي طالب وطبقة الأنصار ولكل منها نقيب عام يقيم ببغداد عاصمة الخلافة العباسية ، ولكل من هؤلاء أعوان من النقباء في المدن والبلدان والقرى والمشاهد ، فكان الشريف أبو طالب محمد بن أبي زيد يتولى إدارة أمور العلويين بالبصرة ويرعى مصالحهم ، ومن يقرأ التوقيع « الأمر الإداري » الذي يكتب لنقيب من النقباء يعلم أن منصب النقابة كان خطيرا كبيرا كثير الشواغل والمهمات ، فهو مثل ما سمي بالامتيازات « التميزات » الأجنبية في الشرق للدول الأجنبية . وكان الشريف أبو طالب مع ما يستحقه منصبه العظيم من الزماتة والوقار ، ظريفا مطبوعا ، خفيف الروح ، حسن التصرف بالأحاديث حتى أتهم بالتزيد و « ما مالت الأشراف تهجى وتمدح » . وقد ذاع صيته بالعلم والفضل فاستقدمه الوزير الكبير بل سيد الوزراء عون الدين أبو المظفر يحيى بن هبيرة الحنبلي ، وزير الخليفة المقتفي لأمر الله وابنه المستنجد بالله إلى بغداد وسمع عليه كتاب « سنن » السجستاني ، ورحل اليه رحلة طويلة أبو الفتح بن المصري فسمع عليه سنن السجستاني المذكورة ورواها عنه ببلاده ، وطبقت شهرته الآفاق وتلفعت روايته على العراق وغير العراق ، وممن روى عنه الامام برهان الدين نصر بن محمد بن العمري البغدادي الحنبلي المقرئ المحدث المشهور . ومنحه الله تعالى عمرا طويلا ورواية المعمرين عند طلاب الحديث هي الإكسير الأكبر في علم الحديث . وروى عنه الشيخ الصالح أبو منصور سعيد بن أحمد بن علي المعروف بابن محاوش البصري المالكي سنن أبي داود . وكما برع الشريف أبو طالب في الإدارة والنقابة والرواية والدراية فكذلك مهر في الكتابة ، ومما وجدنا له من ترسله تهنئة بعث بها إلى بعض الوزراء ولعله عون الدين بن هبيرة المذكور يقول فيها : « أسعد الله حضرته بهذا الموسم الشريف ولا زالت كعبة تحجها شفاه التهاني ولا زالت أبوابه السامية للرعايا مراد الأماني ، وثغور الإسلام مؤيدة محروسة بشريف آرائه ، وشرور الأعوام محبوسة بمجدد آلائه ، ما سرت نسمة وما ابتسم الزهر بروض يبكي عليه الغمام » . وفي شهر ربيع الأول من سنة « 560 » هتوفي الشريف السيد أبو طالب محمد بن محمد بن أبي زيد بالبصرة عن احدى وتسعين ، وخلف من الذكور - على ما وصل اليه علمنا - عبد الباقي بن محمد بن أبي زيد وشرف الدين أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد ، وهو الذي عقدنا هذه الترجمة في الاعراب عن فضائله ومجمل سيرته ، وقد أومانا إلى ذلك من قبل ولعله كان أسن من أخيه . ولد أبو جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد هذا بالبصرة سنة « 548 » في السنة الأولى من استقلال الدولة العباسية وخلاصها من كابوس السلطنة السلجوقية ، ولد في عهد الحرية ورجوع دولة العرب إليهم ، في بيت ذي سيادة عريضة وشرف وطا الله مقاعده وأحصف معاقده ، وفي كنف النقابة العلوية والجاه الطالبي ، ونشأة والده تنشئة الأشراف ، وقرأ الأدب على أديب بصري يعرف بأبي محمد بن الأحمر الحماني ، لا نعرف من حاله شيئا كحال كثير من الأدباء الذين قصر التاريخ في أمرهم ولا سيما أدباء البصرة فليس لهذه المدينة العظيمة تاريخ يرجع اليه ولا تسجيل يعتمد عليه ولولا خروج جماعة من الأدباء منها وخروج متأدبين تأدبوا فيها ما وقع إلينا اسم أبي محمد بن الأحمر شيخ مترجمنا ولا غيره من أسماء أدباء البصرة ، ولا نعني بذلك النادر كأبي محمد القاسم الحريري البصري ، فإنه قد كان اشتهر شهرة خرجت عن سلطان خمول البصرة ، ومع ذلك قصد بغداد فطار صيته في العالم الإسلامي . قلنا إن أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد العلوي البصري درس الأدب بالبصرة ولا نستطيع أن نعين للقارئ الكتب التي قرأها أو سمعها تحت سمة « الأدب » فالدواوين الشعرية كديوان امرئ القيس وديوان الأعشى وديوان النابغة الذبياني وديوان الفرزدق وديوان جرير وديوان الأخطل كانت في مقدمة الدواوين التي قرأها أو سمعها هناك . ويدخل في الأدب الأخبار والأنساب ، ففي الأخبار أيام العرب ومقاماتهم وأخلاقهم وعاداتهم ومجموع تواريخهم ، والأنساب من أول ما يدرس العلوي من الفنون العربية في ذلك الزمان ، فشرف العلويين وجاههم وتميزهم على غيرهم واختصاصهم بعناية الدولة واحترام الناس قائمة على الأنساب ، نضيف إلى ذلك أن التاريخ ذكر أن هذا السيد الشريف درس كتاب « جمهرة النسب » لابن الكلبي وسمعه على أحد الشيوخ ولعله ابن الأحمر المذكور ، ولا نظننا مبعدين بان نقول إنه درس أدب الكاتب لابن قتيبة وأخبار البصرة لعمر بن شبة ، وديوان بشار بن برد الشاعر البصري الرقيق المقتدر ومقامات الحريري فإنها على كونها كتابا بصريا كانت في أيام هذا الشريف قد أصبحت من أمهات كتب الأدب التي يدرسها المستأدب فيكتسب ثروة لغوية من مفرداتها وثروة إنشائية من عبائرها ، وكذلك القول في كتاب « البيان والتبيين » للجاحظ و « الكامل » لأبي العباس المبرد ، فهذان الكتابان إلى كونهما بصريين أيضا لم يؤلف مثلهما في هذا الفن ، وكيف يهمل المتادب البصري تأليفهما الأخرى كالحيوان للجاحظ والروضة للمبرد ؟ وفي أيام صباه لمعت شخصيات أدبية بالبصرة منهم فخر الدين أبو زيد المطهر بن سالار المشاني ، أحد كبار الأدباء ، وهو من تلاميذ الحريري ولتعليمه صنف المقامات وأخذ كنيته « أبا زيد » فركب المقامات عليها ، ولكنه نسبه إلى « سروج » تعمية لأمره ، وابنا الحريري أبو العباس محمد وأبو القاسم عبد الله ولكن عبد الله ترك البصرة وسكن بغداد ، وشهاب الملك أبو المرتجى البصري والدكيشي أبو علي الحسن بن علي من عبد القيس ومحمد بن يحيى القرشي والفضل بن أحمد بن سلمان والكافي سناء الدولة وغيرهم ممن لا نحب الإطالة والإملال بذكر أسمائهم ، ولم يذكر التاريخ صلة للشريف أبي جعفر بهم ، ولعل أكثرهم ماتوا ودرجوا والشريف لم يذرف للثانية عشرة سن عمره . أما ابن ماري الطبيب الأديب ( 2 ) فقد كان معاصرا له . وكنا ذكرنا قبل هذا أن للشريف أبي جعفر أخا اسمه عبد الباقي واسترجحنا أن يكون عبد الباقي أصغر من أخيه ، والسبب في ذلك الاسترجاح أن أبا جعفر ولي نقابة الطالبيين بالبصرة بعد وفاة أبيه سنة « 560 » على عهد الخليفة الهمام المستنجد بالله وقد جرت العادة عند القوم أن يتولى الابن الأكبر ما كان يتولاه الأب ما لم يمنع ذلك مانع كالعتاهية والآنة والجنون والفسق المشهود ، على أن والده مات وعمره اثنتا عشرة سنة . وعني أبو جعفر بالشعر وبرع في نظمه ومال إلى الأدب ، زيادة على ما استعده من آلة النقابة كالفقه والخلاف والمقالات والجدل والأحكام

--> ( 1 ) استمد هذا التميز من القرب من نسب الرسول ( ص ) ومن الانتماء اليه ومن خدمته اي خدمة الإسلام . ( 2 ) هو أبو العباس يحيى بن سعيد النصراني المعروف بابن ماري المسيحي ، كان كاتبا أديبا شاعرا طبيبا حكيما مفتا ، يتكسب بالطب والكتابة ويمتدح الأكابر والأعيان وله كتاب « المقامات الستين » المشهور ، توفي بالبصرة سنة « 589 » .