حسن الأمين

321

مستدركات أعيان الشيعة

فالخيال دائما يطيف به ، غير أنه لا يسد مسد الزيارة الحقيقية ، وهو في الغالب يصف سراه وما قطع من القفار ، ومجاهل الأرض حتى اهتدى اليه ، كما يحدد الوقت الذي يزوره فيه ، وهو آخر الليل . وتلك هي بعض المعاني التقليدية ، والصور البدوية التي عني بها وأذاعها في كثير من مقدمات قصائده التي وصف فيها الطيف . غير أن له معاني عديدة مبتدعة ، وصورا مخترعة ، ولعل من أدل الشواهد على ذلك هذه الأبيات التي قدم بها لقصيدته التائية في الافتخار بنفسه ، وعتاب قوم من أهل بلده ، والتي تنساب على هذا النمط : أحبب إلي بطيف سعدى الآتي وطروقه في أعجب الأوقات أنى اهتديت لمحرمين تصوبوا لسفوح مكة من ربي عرفات ذكرتنا عهد الشام وعيشنا بين القنان السود والهضبات إذ أنت شكل مخالف وموافق والدهر فيك ممانع وموات لولا مكاثرة الهموم ونحتها من جانبي لكنت من حاجاتي وهذا معنى جديد تتمثل جدته في متابعة خيال صاحبته له وملاحقته إياه حتى في أيام حجه ، ووقت إحرامه ، إذ سرى اليه من بلده بالشام وما زال يجوب الفلوات حتى وقع عليه وهو في ثياب الإحرام ، يؤدي مناسك الحج التي فرغ من أداء بعضها في عرفات ، وانحدر لكي يكمل سائرها . ولا يتمادى معه في الوصال والعبث ، بل يبعث في نفسه الحنين إلى موطنه ، وإلى أيامه التي قضاها بين سهوله وقلل جباله ، ويشغل عنه بالبعد والغربة والهموم المطبقة . وقد أفاض الآمدي في الثناء على الأبيات ، حتى فضلها على أبيات قيس بن الخطيم المشهورة المذكورة التي أولها : إني سربت وكنت غير سروب وتقرب الأحلام غير قريب ومثل ذلك المعنى في الجدة والطرافة قوله : قد كان طيفك مرة يغرى بي يعتاد ركبي طارقا وركابي فالآن ما يزدار غير مغبة ومن الصدود زيارة الاغباب فقد كان خيالها في أول الأمر يسرى اليه ، ولا ينقطع عنه ، غير أنه لم يلبث ان ابتعد عنه ، ولكنه لم يهجره هجرا متصلا ، وإنما أخذ يزوره في الحين الطويل بعد الحين . أرأيت اليه كيف يتلاعب بالألفاظ ؟ أرأيت اليه كيف يفتن في استخراج المعاني ؟ أما قوله : « ومن الصدود زيارة الاغباب » . فمن ألطف الكلام ، وأشده وصولا إلى كل قلب ، كما يقول الشريف المرتضى . وأغرب من هذا المعنى وأطرف قوله : أما الخيال فإنه لم يطرق إلا بعقب تشوق وتشوق قد زار من بعد فبرد من حشا ضرم وسكن من فؤاد مقلق ولربما كان الكرى سببا لنا بعد الفراق إلى اللقاء فنلتقي فقد فصل بينه وبين صاحبته ، وانعدمت الوسائل إلى الوصل بينهما ، ولم يعد له حيلة الا أن يهيئ نفسه لعلها تنام قليلا ، فيزوره طيفها ، ويظل يغالب نفسه حتى أخذتها سنة من النوم ، وإذا خيالها يطيف به ، ويبل صداه . على أن البيت الثالث ، هو الذي جود فيه غاية التجويد ، إذ جعل النوم سببا للوصل بينه وبين محبوبته بخيالها الذي يزوره ويحقق له اللقاء بها . ومن أجل ذلك قال الشريف المرتضى : أن لهذا البيت ما شاء الله من قبول وحلاوة وطلاوة : ومن معانيه المبتكرة قوله : أجدك إن لمات الخيال لمذكرتي بأيام الوصال تؤرقني إذا الرقباء ناموا أناة الخطو فاتنة الدلال فكثيرا ما صرح الشعراء بان أطياف محبوباتهم تلم بهم ، وتذكرهم بالأيام الخالية ، ولكن في أعماق الصحراء ، وبعد نوم الرفاق . أما هو فيزوره طيف صاحبته ، لا بعد أن يهجع أصدقاؤه ، بل بعد أن يغط في النوم غطيطا رقباؤه . ولم تقتصر محاولاته على ابتداع المعاني ، بل حاول اختراع الصور النادرة الغريبة ، ومن ذلك قوله : أهلا بذلكم الخيال المقبل فعل الذي نهواه أو لم يفعل برق سرى من بطن وجرة فاهتدت بسناه أعناق الركاب الضلل فقد جعل طيف محبوبته قبسا من نور يتوهج ، ويبدد ظلمات الليل ، ولا يضيء دروب الصحراء لنفسه فحسب ، بل أيضا للقوافل الضاربة في جوف الصحراء ، والسائرة على غير هدى ، فإذا هي تهتدي بنوره الساطع ، ولا تضل طريقها . وإذا أبو بكر الباقلاني على تعصبه ضد الشعراء لا يملك إلا أن يقول مستحسنا لصنيعه هذا ومثنيا عليه : « هذا البيت عظيم الموقع في البهجة ، وبديع المأخذ ، حسن الرواء ، أنيق المنظر والمسمع ، يملأ القلب والفهم ، ويفرح الخاطر ، وتسرى بشاشته في العروق ، وكان البحتري يسمى نحو هذه الأبيات عروق الذهب » . ولعل من أروع مقدمات قصائده التي تظهر فيها مقدرته على وصف الطيف ، وتفريعه في معانيه ، وابتداعه في تصويره قوله : بت أبدى وجدا وأكتم وجدا لخيال من البخيلة يهدى أقسم الظن فيه أنى تحظى الرمل ومن عالج وأنى تهدى خطا ما أزارناه طروقا أم توخيه للزيارة عمدا جاء يسري فأشرقت أرض نجد لسراه وواصل الغيث نجدا لا تخيب البلاد تخطر فيها رسل الشوق من خيالات سعدى وعدتنا فما وفت بوصال ووفت حين أوعدت أن تصدا قرب الطيف منتواها فأصبحت حديثا بناقض العهد عهدا