حسن الأمين

320

مستدركات أعيان الشيعة

في انتقاله من الغزل إلى الغرض الذي يقصده من الشعر بل هو على وجه الإجمال مغتصب ينتقل طفرة واحدة من الغزل إلى غيره فهو لا يحسن التخلص إلا نادرا . ولعل كثيرا من سوء التخلص يعود إلى أن كثيرا من غزل البحتري في مقدمات قصائده كان غزلا مقصودا لذاته . يرسم فيه عواطفه واحساس نفسه فكانت القصيدة في الواقع كأنها مركبة من قصيدتين . واحدة يفرغ فيها عواطفه في الغزل وأخرى لغرض المدح أو غيره من الأغراض . وقد اتبع البحتري أبا تمام في استعمال البديع في الشعر ولكنه لم يفرط في هذا الاستعمال وعدل في أكثر أحواله إلى الصوت والصنعة في الموسيقى لأنها الجانب القديم الذي يستطيع أن ينميه دون حاجة إلى ثقافة أو فلسفة . وهو على كل حال مع اقتدائه بأبي تمام لم يكن يتعمد إدخال البديع في شعره تعمدا . ولكن إذا هيئت له فرصة استعمال البديع استعمله بلا إفراط . وشعر البحتري متسق في تركيبه متناسب في أسلوبه لا نلحظ في قصيدته تباينا قويا بين أبياتها في القوة والضعف بمعنى انه لا يرتفع ارتفاعا قويا في بعض أجزاء قصيدته ثم ينحط انحطاطا معيبا في الأجزاء الأخرى بل يسير على مستوى واحد . وهو مع تناسب أسلوبه جميل في هذا التناسب . والبحتري لم يشتهر في شيء شهرته بجمال الأسلوب وموسيقاه . كما كان حريصا على الابتعاد عن حوشي اللفظ وغريبه وان كنا لا ننكر انه استخدم بعض الألفاظ القليلة الاستعمال وبعض الألفاظ الوحشية الثقيلة وحتى بعض الكلمات الأعجمية ولكنها قليلة نادرة لا تكاد تذكر . وخلاصة القول إن نتاج البحتري هو نتاج بدوي تلفع برداء الحضارة . فهو بدوي أعرابي رحل إلى المدينة وتحضر . ولكن هذا التحضر لم يتغلغل « في عقله ولم ينفد إلى اعماق نفسه فلم يستطع أن يستخدم الثقافة في عمله كما أنه لم يستطع التعقيد في أدوات حرفته . البحتري شاعر الأطياف ونترك الكلام هنا للدكتور حسين عطوان : لم يكن وصف الطيف من الموضوعات الأساسية في الشعر العربي من الجاهلية حتى أواخر العصر العباسي الأول ، وانما كان موضوعا ثانويا يأتي لماما في أوائل القصائد أو في تضاعيفها ، ثم أخذ الشعراء بمعانيه ، مرددين أن أطياف صواحبهم تزورهم في النوم وتؤرقهم ، عاجبين من اهتدائها إليهم على بعد ما يفصل بينهم وبين محبوباتهم من المسافات البعيدة ، والطرق الوعرة والمسالك الخفية . وينهض البحتري في العصر العباسي الثاني بهذا الوصف نهضة واسعة ورائعة ، إذ أكثر من افتتاح قصائده به ، كما بث خطوطا منه في غير قليل من قصائده . على أن البحتري لم يستكثر من وصف الطيف فحسب بل أفتن افتنانا عظيما في توليد معانيه ، واستنباط اللطيف والطريف منها ، بحيث لفت أنظار القدماء ، وجعلهم يسلمون له بأنه السابق في هذا الميدان ، دون منازع . يقول أبو علي القالي : « هو أحد المحسنين في القول في طروق الخيال حتى قيل طيف البحتري » . ويقول الحصري القيرواني : « كان البحتري أكثر الناس ابداعا في الخيال ، حتى صار لاشتهاره مثلا يقال له طيف البحتري » . ويقول الآمدي : « أما البحتري فإنه أولع بذكر الخيال فقال فيه وأكثر وأجاد وأبدع ، وتصرف في معان لم يأت أحد بمثلها ، واستفتح قصائد كثيرة بذكر الخيال لشدة شغفه به ، فأحسن في ابتداءاته كلها ، وزاد على الإحسان » . ويقول ابن رشيق القيرواني : « البحتري أرق الناس نسيبا ، وأملحهم طريقة ، لا سيما إذا ذكر الطيف ، فإنه الباب الذي شهر به » . ويقول الشريف المرتضى : « كان البحتري متيما بالقول في الطيف ، فأكثر فيه ، وأغزر منه ، مع تجويد وإحسان وافتنان . وتصرف فيه تصرف المالكين ، وتمكن القادرين » . ويقول مرة أخرى : « لأبي عبادة في وصف الخيال الفضل على كل متقدم ومتأخر ، فإنه تغلغل في أوصافه ، واهتدى من معانيه إلى ما لا يوجد لغيره . وكان مشغولا بتكرار القول فيه ، لهجا بإبدائه وإعادته . وإذا نظرنا في قصائده وجدنا فيها خير دليل على ذلك ، إذ يلقانا تصويره اللطيف في مقدماتها ، وفي أثنائها ، وهو حينا يحافظ فيه على المعاني الجاهلية ، والصور القديمة الموروثة من ذكر الليل والسري والسهول ، والحزون والوديان ، عاجبا من اهتداء طيف صاحبته اليه ، ومتمنيا لوزارته على الحقيقة ، وهدأت بزيارتها له نفسه الثائرة ، وأطفات أشواقه المضطرمة ، على ما نرى في قوله بمطلع قصيدته الهمزية في مديح عيسى بن إبراهيم . طيف الحبيب ألم من عدوائه وبعيد موقع أرضه وسمائه جزع اللوى عجلا ووجه مسرعا من حزن أبرقه إلى جرعائه يهدى السلام وفي اهتداء خياله من بعده عجب وفي إهدائه لو زار في غير الكرى لشفاك من خبل الغرام ومن جوى برحائه فهو يستقصي استقصاء دقيقا الأماكن التي مر بها الطيف حتى انتهى اليه . فقد سرى اليه من مكان بعيد ، مجتازا في سرعة مناطق مختلفة : كثبانا من الرمل ، إلى تلال ومرتفعات تغطيها حجارة صغيرة منثورة فوقها ، حتى وصل إلى غايته في أرض مبسوطة مستوية . ويعجب منه كيف قطع تلك الأميال الطويلة لكي يلم به ويحييه ، ويود لو ألم به في غير النوم لكي يخفف ما به من الوجد الشديد ، والشوق المتقد . ومن هذا النوع قوله في صدر مدحته للفتح بن خاقان : أجدك ما ينفك يسرى لزينبا خيال إذا آب الظلام تأوبا سرى من أعالي الشام يجلبه الكرى هبوب نسيم الروض تجلبه الصبا وما زارني إلا ولهت صبابة إليه وإلا قلت أهلا ومرحبا وليلتنا بالجزع بات مساعفا يريني أناة الخطو ناعمة الصبا ولو كان حقا ما أتته لأطفات غليلا ولا فتلت أسيرا معذبا فقد أصبح ليله شركة بين الاغفاء وبين طيف محبوبته ، إذ لا يكاد الليل يرخي استاره ، ولا يكاد هو يأخذ في النوم حتى يطير إليه طيفها طيرانا ، وكأنما الليل قطب يجذبه إليه ، ويدنيه منه ، كما يقترن النسيم العليل بريح الصبا . فيرحب به ، ويسلم عليه ، وتهدأ نفسه قليلا . غير أنه سرعان ما ينتبه إلى أنه يعيش في غرور وزور ، وأن خيالها هو الذي ألم به دونها .