حسن الأمين
319
مستدركات أعيان الشيعة
في الكثير من قصائد الديوان . وله أبيات عرفت واشتهرت وأخذها عنه شعراء آخرون من مثل قوله : ليس يحلو وجودك الشيء تبغيه التماسا حتى يعز طلابه وقوله : إذا المرء لم تبدهك بالحزم كله قريحته لم تغن عنك تجاربه وقوله : وأحب آفاق البلاد إلى الفتى ارض ينال بها كريم المطلب وقوله : متى احرجت ذا كرم تخطى إليك ببعض أخلاق اللئيم وقوله : ما كان في عقلاء الناس لي أمل فكيف أملت خيرا في المجانين وقوله : متى أرت الدنيا نباهة خامل فلا ترتقب إلا خمول نبيه كما نراه في قصيدة قالها في صاعد بن مخلد مطلعها : معاد من الأيام تعذبينا بها وأبعادها بالألف بعد اقترابها يصور الحياة تصوير معاناة وتجريب : متى تستزد فضلا من العمر تغترف بجلبك من شهد الخطوب وصابها تشذ بنا الدنيا بأخفض سعيها وغول الأفاعي بلة من لعابها يسر بعمران الديار مضلل وعمرانها مستأنف من خرابها ولم ارتض الدنيا أوان مجيئها فكيف ارتضائيها أوان ذهابها وهل أنت في مرسومة طال أخذها من الأرض إلا حفنة من ترابها ومن يفتش عن الحكمة في شعر البحتري يجدها وان لم يكن باعه طويلا فيها كأبي تمام أو المتنبي . الخصائص العامة لشعر البحتري كلفتمونا حدود منطقكم في الشعر يلغى عن صدقه كذبه ولم يكن ذو القروح يلهج بالمنطق ما نوعه وما سببه والشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر طولت خطبه . . . واللفظ حلي المعنى وليس يريك الصفر حسنا يريكه ذهبه هذه الأبيات الواردة في قصيدة البحتري التي مطلعها : لا الدهر مستنفد ولا عجبه تسومنا الخسف كله نوبه تبين لنا إلى حد بعيد نظرية البحتري في الشعر ، بخاصة إذا تذكرنا انه كان معاصرا لأبي تمام وابن الرومي . فقد نشا البحتري نشأة بسيطة في عشيرة بحتر الطائية فلم يتثقف بالثقافات الفلسفية وغير الفلسفية التي عاصرته وظل ذوقه في جملته لا يابه للتنميق المسرف كما ظل يفهم الشعر على أنه طبع وموهبة . وعبر الآمدي عن ذلك بقوله : انه أعرابي الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل وما فارق عمود الشعر المعروف . وعلى الرغم من لقاء الشاعر لأبي تمام وروايته لشعره نجده يقف في الصف المقابل له في صناعة الشعر وفهمه . فقد كان يقف في صف « الصانعين » من أمثال بشار وأبي نواس بينما كان يقف أبو تمام في صف « المصنعين » من أمثال مسلم بن الوليد بل لقد بلغ عنده مذهب التصنيع غايته من التنميق العقلي والتأنق اللفظي . وكان البحتري لم يستطع أن ينهض بما أداه أبو تمام للشعر من صناعة وزخرف . كان البحتري يستخدم أحيانا بعض أدوات التصنيع ولكن في يسر وسهولة ودون أن يعقد فيها كما نرى عند جماعة المصنعين فهو من أصحاب الصنعة وهو لذلك لا يستطيع أن ينهض بشعره إلى الغاية التي حققها أصحاب التصنيع . لقد استخدم البحتري التصوير والجناس والطباق ولكنه استخدام ساذج يخالف استخدام أبي تمام له . فقد كان أبو تمام يستخدم الطباق استخداما فلسفيا وهذا ما يفرق بين طباقه وطباق البحتري . لم يكن البحتري يعتمد في شعره على فلسفة وثقافة يعقدان في أدواته وكان يعرف ذلك من نفسه وعبر عنه بالأبيات التي سبق وذكرناها . ومع ذلك فان دراسة شعر البحتري تثبت انه حاول استيعاب الوسائل الحديثة في صناعته من الطباق والجناس والتصوير إلا أنه لا يستطيع أن يستخدم الأداة العقلية الخالصة أداة المنطق والفلسفة لأنه ليس من أهل المنطق ولا من أهل الفلسفة . ونجد دائما شيئا من المنطق ينقص البحتري في فنه . فإذا نظرنا في صياغته فإننا نراه لا يعنى بتنسيق أفكاره وترتيب معانيه ترتيبا منطقيا دقيقا . وبون بعيد جدا بينه وبين شاعر كأبي تمام في هذا الجانب فإنك تحس عند الأخير بوحدة القصيدة واضحة كما تحس بتسلسل الأفكار . أما عند البحتري فإنك ترى دائما خنادق وممرات بين أبياته . وتتبع الباقلاني عنده هذه الظاهرة في قصيدته : أهلا بذلكم الخيال المقبل فعل الذي نهواه أو لم يفعل ولاحظ أن التسلسل المنطقي فيها مضطرب وأن التفكير فيها غير منتظم وذكر غيره من النقاد أن البحتري لا يحسن الخروج من موضوع إلى موضوع في الشعر وانه يجنح دائما إلى ما يسميه ابن رشيق طفرا وانقطاعا . امتاز البحتري بجودة المطلع وجودة المنتهى . فمطالعه أول ما تطرق أذن سامعه وأغلب مطالعه في الغزل والنسيب . وقد يكون المطلع نظرات في الحياة . وربما بدأ غرضه من غير مقدمات . والبحتري يأتي بأكثر مطالعه مصرعة يماثل آخر حرف في الشطر الأول آخر حرف في الشطر الثاني . وقد يأتي بذلك التصريح مرتين أو أكثر في القصيدة الواحدة . وهذا الأمر إضافة إلى حرص شديد على الموسيقى الداخلية في الشعر . وما تستتبعه من المشاكلة بين الألفاظ والمعاني والتوافق الصوتي بين الحروف والحركات والكلمات حتى لكأنه يوفر وقته جميعه للصوت فهو يطلق الموسيقى ويدعها تؤثر في أعصابنا كما يريد ويشتهي . هذا كله دفع البعض إلى القول انه « أراد أن يشعر فغنى » أو أن شعره « سلاسل الذهب » أو « . . . وأما الشاعر فالبحتري » . وإذا كان البحتري مجيدا في المطلع ومجيدا في المقطع فإنه غير مجيد