حسن الأمين
318
مستدركات أعيان الشيعة
تعاظمت الحوادث حول حظي وشبت دون بغيتي الحروب على حين استتم الوهن عظمي وأعطى في ما احتكم المشيب . . . أتوب من الإساءة ان ألمت واعرف من يسيء ولا يتوب وفي مثل هذا الرثاء للنفس ينضاف لعناصر الإجادة في رثاء الوليد عنصر انساني جديد وهو الإحساس بالكابة والحيرة والاضطراب . تلك المشاعر التي تسيطر على الإنسان وقد أخذ يدنو حثيثا من لحظات الغروب في حياته . فالقرابة والصداقة والمشاعر القوية والشيخوخة إذن هي العناصر الإنسانية المؤثرة والأنغام الشجية الحزينة التي عزفها البحتري في سمفونيته الرثائية . الهجاء وأقل بضاعة البحتري في ديوانه الهجاء . وهنا يختلف صاحب الأغاني عن المرزباني . فالأول يقص علينا سببا لذلك القصة التالية نقلا عن الأخفش عن أبي الغوث ( ابن البحتري ) : ان الشاعر لما حضرته الوفاة دعا ابنه وقال له اجمع كل شيء قلته في الهجاء ففعل : فأمره باحراقه . ثم قال له : يا بني هذا شيء قلته في وقت فشفيت به غيظي . وكافأت به قبيحا فعل بي . وقد انقضى أربي في ذلك وان بقي روي . وللناس أعقاب يورثونهم العداوة والمودة وأخشى ان يعود عليك من هذا شيء في نفسك أو معاشك لا فائدة لك فيه . قال فعلمت انه نصحني وأشفق علي فأحرقته . ويعقب على ذلك الأصفهاني بان : أكثر هجائه ساقط ركيك لا شاكل طبعه ولا يليق بمذهبه ولا يعرف له هجاء جيد إلا قصيدتين إحداهما في ابن أبي قماش والثانية في يعقوب بن الفرج . وقد سبقت الإشارة إلى أن المرزباني نسب إلى البحتري سوء العهد وخبث الطريقة في الهجاء لأنه هجا نحوا من أربعين رئيسا ممن مدحهم . ومهما قلنا في مذهبه الهجائي فالهجاء ولا شك ضئيل في ديوانه والذي وصل إلينا منه لا يدل على علو كعب الشاعر فيه . ومع ذلك فقد وصلنا من هجائه ما يزيد على ستين قطعة تقرؤها جميعها فتخرج بنتيجة واحدة تلك هي ان البحتري شاعر غير مطبوع على الهجاء . إلا في القليل وان الهجاء فن لم يجده البحتري ولم يتقن أسبابه إلا نادرا وانك تلمس في هجائه ظاهرتين : إحداهما قصر نفسه فيه فجل أهاجيه مقطوعات قصيرة لا تزيد غالبا على خمسة أبيات أو ستة وكثيرا لا تزيد على البيتين والثلاثة . وليس قصر النفس وحده كافيا للدلالة على ضعف شاعرنا في الهجاء بل يضاف اليه قلة المعاني التي يحويها . وثانيتهما صراحة هجائه فهو يدعو من يهجوه حمارا تارة وكلبا أخرى وثورا حينا وابن كلب حينا آخر . والهجاء القوي هو الذي يلجا إلى التهكم الباعث على السخرية بالمهجو فإذا لجا إلى المعاني المألوفة ادخل فيها ما يجعلها طريفة محبوبة . وربما كانت للشهرة التي عرفها البحتري وللحظوة التي نالها عند الحكام إضافة إلى رغبته في عدم الرد على الشعراء الذين هجوه كي لا يتمادوا في فعل ذلك وإتقانه فن العتاب والاعتذار وكراهته ان يشهر بالهجاء كلها عوامل حالت بين البحتري وبين طول باعه في الهجاء وحسنا فعل . وإذا رجعنا إلى القطع التي أنشأها البحتري للهجاء خاصة وجدنا أسبابها تعود إلى خمسة أولها عدم إعطاء ممدوحيه له نوالا على شعره ، ثانيها غيظه من الحجاب وما كان يناله من تعجرفهم وسوء معاملتهم وثالثها تعرض بعض الناس لشعره أحيانا بالنقد وأحيانا بالسرقة ورابعها عدم شكران الضيعة التي يؤديها هو إلى صحبه . وخامس الأسباب ألم النفس من حادثة خالفت الخلق والعادة أو أمر شذ عن الإجماع كما في هجائه لأبي الدردام والمعلم الأعرج . أما قصيدة البحتري في هجاء ابن أبي قماش والتي أعجب بها القدماء والمحدثون فمطلعها : مرت على عزمها ولم تقف مبدية للشنان والشنف وهي تدور حول سخرية البحتري من الحسن بن أبي قماش لما كان من كلف جاريته بأحمد بن صالح بن شيرزاد الذي كان بدوره يعشقها وقد أخذها ابن أبي قماش إلى بيته . وكان ابن أبي قماش يدعي العلم بالتنجيم وقد أدار البحتري سخريته وتهكمه حول هذه العناصر . واعتمد البحتري على أسلوب التهكم والسخرية والتصوير الكاريكاتوري في إبراز مساوئ ابن أبي قماش وقبح منظره . وقد وفق فنيا في هجائه لأنه لم يعمد إلى ما عرف عنه من الشتم الصريح وانما اعتمد على التلميح والسخرية اللاذعة . وهذه السخرية اللاذعة المعتمدة على الحقائق المتصلة بابن أبي قماش في عمله وما عرف عنه من هواية الفلك والزيج وصداقته لأحمد بن صالح وما كان من انصراف جاريته عنه إلى هذا الأخير كل ذلك أضفى على الهجاء في تلك القصيدة طابعا فنيا لا بأس به . أما قصيدته الثانية فهي هجاء يعقوب بن الفرج ومطلعها : تظن شجوني لم تعتلج وقد خلج البين من قد خلج ولعل هجاء الشاعر في بني ثوابة وبني عبد الأعلى من هجائه القوي الذي لم يلجا فيه إلى القذف والسب وانما غلبت عليه روح السخرية المؤلمة ويبدو ذلك في قصيدته التي مطلعها : قصة التل فاسمعوها عجابة ان في مثلها تطول الخطابة وخلاصة القول - ولحسن حظ الشاعر في الأغلب - انه كان خافت الصوت في الهجاء . وكان عصره يكفيه روائع ابن الرومي في هذا الميدان . الحكمة « أنا وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري » . عبارة نسبت إلى المتنبي فهل قصد أبو الطيب إلى تجريد نفسه وأبي تمام من الشاعرية وتجريد البحتري من الحكمة . أغلب الظن أن كلهم شاعر وكلهم حكيم ولكننا نقرأ حكمة البحتري عارية ونقرأ شعر الآخرين حكمة وعللا . وكلمات البحتري في الدنيا والحياة والموت كثيرة ومنتشرة في ثنايا ديوانه الفخم . وللأستاذ صالح حسن اليظمي « قراءة » مميزة لقصيدتي البحتري في وصف معركته مع الذئب وفي وصفه إيوان كسرى تستحق الاطلاع عليها في معرض تبيان الأبعاد الحكمية لهاتين القصيدتين لا سيما فيما يتعلق بشؤون الإنسان والحياة والموت . حيث يصبح الذئب رمزا للمعوقات والرعب والشر في هذا العالم ويصبح تماسك البحتري أمام إيوان كسرى مظهرا من مظاهر صراع الإنسان مع الدهر . وعلى كل حال بالإمكان رؤية نظرات البحتري الحكمية المتعمقة مبثوثة