حسن الأمين
317
مستدركات أعيان الشيعة
بينهما ولذلك أرجح ان كثيرا من هذا الغزل الذي بدأ به قصائد مدحه كان غزلا صرفا أنشاه البحتري إرضاء لعاطفته الشخصية وإلا فإنه من غير المعقول ان شاعرا محبا كالبحتري لا يكون له في الغزل إلا ثلاث قطع صغيرة ولا نستطيع تعليل ذلك إلا بأنه قد أشبع نفسه غزلا بهذا الغزل الذي بدأ به المدح . ونحن قد لا نبتعد كثيرا عن مثل هذا الرأي إذا عدنا إلى بعض مقدمات قصائد الشاعر الغزلية التي استهل بها مدائحه ولا سيما تلك المقدمات التي يخص بها حبيبته علوة كما في القصيدة التي مطلعها : خيال يعتريني في المنام لسكرى اللحظ فاتنة القوام والقصيدة التي مطلعها : ألا هل أتاها بالمغيب سلامي وهل خبرت وجدي بها وغرامي والقصيدة التي بدأها بقوله : قل للسحاب إذا حدته الشمال وسرى بليل ركبه المتحمل عرج على حلب فحي محلة مانوسة فيها لعلوة منزل والقصيدة التي مطلعها : عهد لعلوة باللوى قد أشكلا ما كان أحسن مبتداه وأجملا والتي مطلعها : شوق إليك تفيض منه الأدمع وجوى عليك تضيق منه الأضلع والتي مطلعها : بودي لو يهوى العذول ويعشق فيعلم أسباب الهوى كيف تعلق وسواها من القصائد حيث عرف البحتري كيف يلتقي بالعذاب من مفردات اللغة ويصوغها في أرق تعبيراتها ليصور مشاعر الحب وهي مشاعر مستسلمة إلا انها نوع من الحب يصوره من خلال الحسن الآسر المستبد والدلال الطاغي من الحبيب الذي لا يقبل من حبيبه إلا الاستسلام لأهوائه ويحرم عليه الشكوى من العذاب . يقول : أميرتي ! لا تغفري ذنبي فان ذنبي شدة الحب يا ليتني كنت انا المبتلى منك بأدنى ذلك الذنب حدثت قلبي عنكم كاذبا حتى قد استحييت من قلبي إن كان يرضيكم عذابي وان أموت بالحسرة والكرب فالسمع والطاعة مني لكم حسبي بما يرضيكم حسبي وله مطالع غزلية غاية في الرقة والعذوبة : لي حبيب قد لج في الهجر جدا وأعاد الصدود منه وأبدا عذيري فيك من لاح إذا ما شكوت الحب حرقني ملاما وقد سبقت الإشارة إلى بعض أبيات هذه القصيدة في كلامنا على حبه لعلوة . أما مفاهيم البحتري ومقاييسه الجمالية فهي نفسها المأثورة في الشعر العربي بعامة . يعجبه الجفن الفاتر المريض الساحر الساجي ، الأحور الآسر ، والقوام المرهف اللين المتثني والجسم الأبيض الناصع كأنه اللؤلؤ قد دق منه الخصر وضخم العجز وسمنت يداه ورجلاه وطال عنقه في جمال وحسن . أما الفم فابيض ذو أسنان دقيقة كأنها الأقحوان ويزين ذلك كله مشية فيها لين ودلال فيه سحر . والبحتري في غزله كان حسيا يتطلب اللذة والمتعة . بل إنه في المواقف التي تثير الحزن ينفعل إذا كان فيها مكان لمتعة . وقد ضمنا وشك التلاقي ولفنا عناق على أعناقنا ثم ضيق فلم تر إلا مخبرا عن صبابة بشكوى وإلا عبرة تترقرقي فأحسن بنا والدمع بالدمع وأشج تمازجه والخد بالخد ملصق ومن قبل قبل التشاكي وبعده نكاد بها من شدة الوجد نشرق فلو فهم الناس التلاقي وحسنه لحبب من أجل التلاقي التفرق فقد انسته لذة العناق قسوة الفراق ! وربما كان حب اللذة عنده هو السبب الذي غيب مسحة الحزن عن غزله بشكل عام . هذا إلى عواطف أخرى كثيرة حدثنا عنها في شعره فصور لنا كيف يعشق الحبيب مع هجره ودلاله ، بل كيف يتفانى المرء في حب حبيبه وكيف ان الحبيب في نظر من يحبه أجمل مخلوق يراه . وكيف يتدلل الحبيب ويغضب ان شكا إليه قسوته وعنف حبه وكيف ان النفس التواقة إلى الجمال يشوقها الجمال دائما فتتلمسه في كل مكان وكيف يتذلل المحب لحبيبه ويخضع له ويستعطفه وان كان هو الجاني المذنب وكيف أن الحب للحبيب الأول مهما طال الزمان إلى آخر ما هو هنالك من شؤون المحبين وشجونهم . ويكثر في غزل البحتري ذكر الطيف والخيال حتى عرف به بين الشعراء . قال الحصري : كان البحتري أكثر الناس ابداعا في الخيال حتى صار لاشتهاره مثلا فيقال : له خيال البحتري . وللبحتري بضع قطع أنشأها للغزل خاصة ولم يجعلها فاتحة مدح وهي قطع قصيرة ذكر في واحدة منها ما لاقاه في حب علوة . وفي قطعة ثانية يحدثنا عن موعد ترقبه من علوة قبيل الصبح حتى إذا أقبلت ثم عليها المسك والعنبر . وفي قطعة ثالثة يحدثنا عن تمكن الهوى في قلبه وازدياد الحب جدة وقوة في نفسه بعد المشيب . الرثاء اثر عن البحتري قوله : من تمام الوفاء أن تفضل المراثي المدائح وقد رثى البحتري ملكا ووزيرا وجماعة من القواد وجماعة أخرى من ذوي المناصب الكبيرة في الدولة كما رثى غلامه وقومه وشبابه . وقد اختلفت الآراء في تقويم رثاء البحتري فذهب البعض إلى أن البحتري ليس من المشهورين في الرثاء وان يكن له فيه ما يستطاب . وذهب البعض الآخر إلى أن الصداقة كانت تقوم مقام الحب عند البحتري وانه كان يتأثر بوحيها في بكاء أصدقائه وغلمانه والأمراء الذين أحسنوا اليه وبالجملة في شعره الرثائي فقد أوسع في بكاء الصحب والأيام والديار . لقد كان