حسن الأمين
311
مستدركات أعيان الشيعة
أبياتها ثلاثة وثمانين بيتا تناول فيها إلى جانب مدحه مدح ابنه العباس ومدح وزيره ابن يزداد كما هجا فيها وزيرين من وزراء المستعين وهما أوتامش وأحمد بن الخطيب . ولما شب النزاع بين المستعين والمعتز هجا البحتري المستعين ومدح المعتز . وكان من ممدوحي البحتري في عهد المستعين أبو صالح عبد الله بن محمد بن يزداد الذي استوزره المستعين بعد مقتل اوتامش سنة 249 ه . عندما استقر الأمر للمعتز سنة 252 هحظي البحتري عنده بمنزلة رفيعة فأثقله بالعطايا والمنح فاخلص له الشاعر كما أخلص لأبيه المتوكل من قبل وقد قال فيه مدائح كثيرة وطويلة على الرغم من اضطراب الحالة السياسية في عهده وقصر مدة خلافته بالقياس إلى مدة خلافة المتوكل . فقد أنشا البحتري في المعتز الذي بقي في الحكم ما ينيف على أربع سنوات ونصف احدى وثلاثين قصيدة ومقطعة تربو على خمسين وتسعمائة بيت . ولم يكن البحتري يكتفي بتسجيل الحوادث السياسية والأعمال العمرانية التي تحدث في عهود ملوك بني العباس الذين كان يعيش في أكنافهم ويتردد على قصورهم . بل كان أحيانا يشير عليهم ان يولوا أولادهم ولاية العهد كما فعل مع المعتز إذ حثه على تولية ابنه عبد الله العهد . بل يقوم أحيانا بتسجيل اعمال أمهات وزوجات الملوك كما فعل عندما تحدث عما قامت به قبيحة زوجة المتوكل وأم المعتز من إطعام الحجيج واسقائهم . وللبحتري في وصف - مولى مثل دورا سياسيا هاما في أيام المنتصر والمستعين - قصيدتان ومقطعة . بعد المعتز جاء محمد بن الواثق الذي لقب بالمهتدي والذي على الرغم من زهده لم يسلم من النهاية المأساوية التي انتهى إليها اسلافه وقد أنشأ فيه البحتري ثلاث قصائد وأرجوزة . بعد مصرع المهتدي جاء الأتراك بجماعة من أولاد المتوكل كانوا محبوسين في الجوسق فاختاروا أحمد وبايعوه بالخلافة ولقب المعتمد على الله وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين . وقد عانى هذا الملك معاناة شديدة من استئثار أخيه الموفق بشؤون السلطة . وكان على ما يبدو شديد الضعف فقد روي أن إحدى المغنيات غنته فرام أربعمائة دينار يصلها بها فعزت عليه فطلب نصفها فلم تتوفر فقال : أليس من العجائب أن مثلي يرى ما قل ممتنعا عليه وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا وما من ذاك شيء في يديه اليه تحمل الأموال طرا ويمنع بعض ما يجبى اليه وملفت للنظر ان البحتري لم ينشئ في المعتمد - على الرغم من المدة الطويلة التي حكم فيها وهي التي تربو على ثلاث وعشرين سنة - سوى اربع قصائد ومقطعة وأن واحدة من هذه القصائد ينازعه فيها المهتدي . ويبدو ان الشاعر لمح ضعف الخليفة وقلة ذات يده فانصرف عنه إلى غيره . كما أنه لم يقل في الموفق سوى قصيدتين ربما لأن هذا الأخير كان قليل العطاء . وعلى هذا فلم يكن للشاعر مندوحة من أن يؤم الوزراء والقواد والولاة بل وحتى الكتاب وعمال الخراج فيمدحهم ويطنب في مدحهم . ومن ينظر في ديوان الشاعر منذ استخلاف المعتمد في سنة 256 هإلى الحقبة التي غادر فيها العراق قافلا إلى بلده منبج يرى كثرة القصائد التي دبجها في أولئك الممدوحين مما يعيد إلى الأذهان حالته الأولى التي بدأها بالتطواف في المدن والأمصار مادحا ومنتجعا . وقد مدح البحتري المعتمد بعدة قصائد لا ترتفع إلى مستوى شعره الجيد الذي أنشأه في المتوكل والفتح والمعتز . كما مدح عبد الله بن يحيى ابن خاقان وزير المعتمد ابن أخي الفتح بن خاقان بعدد من القصائد . وممن اتصل بهم البحتري في عهد خلافة المعتمد الحسن بن مخلد بن الجراح وهو من أصل فارسي وللبحتري فيه سبع قصائد . كما اتصل البحتري بعدد من عمال الخلافة وكان في مقدمتهم أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن المدبر الذي أصبح وزيرا للمعتمد وقد أنشأ فيه اثنتين وعشرين قصيدة ومقطوعة . وقد تمكن البحتري من خلال اتصاله بهؤلاء جميعا وبسواهم ان يجمع ثروة ضخمة - على الرغم من شكواه المستمرة - كما أمكن ملاحظة شيء من التشابه بين حياة البحتري الأولى وبين السنوات الأخيرة منها . وقد مر بنا انه بدأ حياته بامتداح أصحاب البصل والباذنجان في أسواق مدينته . ثم ارتاى الرحلة والتطواف فأم القواد والعمال والولاة في مدنهم يقرظهم وينال هباتهم وعطاياهم حتى تهيأ له ان يحط رحاله في ربوع الحاضرة العباسية « سامراء » وأن يصبح بعد لأي شاعر البلاط حقبة من الزمن . وفي غضون السنوات الأخيرة من عمره نراه يعيد ما بدأ به حياته الأولى . فاخذ يضرب في الأرض منتجعا الوزراء والقواد والعمال وصغار الكتاب يمتدحهم ويلتمس جدواهم . بل نراه يؤم حتى عمال الطاسيج بعد أن ضاق من المقام في بغداد : فأصبحت في بغداد لا الظل واسع ولا العيش غض في غضارته رطب أأمدح عمال الطساسيج راغبا إليهم ؟ ولي بالشام مستمتع رغب نتاجه ذكر ابن النديم في الفهرست أن شعر البحتري كان على غير الحروف إلى أيام الصولي فإنه عمله على الحروف وعمله علي بن حمزة الأصفهاني أيضا فجوده على الأنواع وله من الكتب كتاب الحماسة على مثال حماسة أبي تمام وكتاب معاني الشعراء . وتوجد مخطوطات الديوان في برلين وميونيخ وفيينا وبطرسبرج ( ليننغراد ) وباريس . ونشر هذا الديوان في إستانبول سنة 1300 هو في بيروت 1911 وفي القاهرة 1329 هويسمى الديوان أحيانا باسم سلاسل الذهب وقد طبعت فقرأت من شرح أبي العلاء لهذا الديوان وهو الشرح المعروف ب « عبث الوليد » في اطقتبس ( 57 ) ثم طبع شرح أبي العلاء لديوان البحتري « عبث الوليد » عام 1936 . كتاب معاني الشعراء لم يذكر أحد - فيما نعلم - انه أطلع عليه بعكس كتاب الحماسة الذي طبع في بيروت سنة 1910 بعناية الأب لويس شيخو اليسوعي مذيلا بالفهارس وتمتاز حماسة البحتري عن حماسة أبي تمام من أوجه كثيرة : منها كثرة الأبواب لأن حماسة أبي تمام مؤلفة من عشرة أبواب وحماسة البحتري من 174 بابا تتضمن معظم المعاني الشعرية وقد رواها عن نحو ستمائة شاعر أكثرهم من الجاهليين والمخضرمين . « وتمتاز على الخصوص بخلوها مما تنبو عنه الأسماع من الألفاظ البذيئة حتى الغزل والنسب فقد تحاشاهما . كان البحتري قد جمعها لشبيبة هذه الأيام وأطلعنا في المكتبة الخديوية على نسخة من الحماسة المذكورة بالتصوير في 400 صفحة عن نسخة خطية محفوظة في مكتبة ليدن » .