حسن الأمين

312

مستدركات أعيان الشيعة

وقد روى حماسة البحتري محمد الأحول الذي كان من العلماء باللغة والشعر وقد اختارها للفتح بن خاقان مما يدل على أن وضعه لها كان قبل مقتل الفتح حين كانت سن البحتري حول الأربعين . وطبع كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري للآمدي في إستانبول سنة 1287 ه‍ . شعره لم يخرج البحتري في شعره عن الأغراض التي طرقها من سبقه من الشعراء . فجاء شعره في المديح والهجاء والاستعطاف والفخر والرثاء والحكمة والوصف والغزل . . . المدح أكثر ما شغل به البحتري شعره المديح فهو جل ما في ديوانه . وكان البحتري يمدح قصدا للمال إذ كان الشعر مهنته التي يعيش على ما يأتي اليه منها . وهنا ينبغي أن نتذكر أيضا أن الشعر آنذاك كان يقوم بدور وسائل الأعلام في عصرنا هذا فيما يتصل بقضايا السياسة والمجتمع . وإذا أضفنا إلى ذلك أن كثيرا من شعر المدح كان يصور القيم العليا التي يتعين أن يتصف بها السلوك الاجتماعي السليم أمكن لنا أن نخفف شيئا من نظرات النفور الموجهة إلى شعر المديح . وإذا ما نظرنا لشعر المدح هذه النظرة الواقعية المتسامحة فإننا لن نجده شرا محضا كما قر في عقول الكثيرين ووجداناتهم بل اننا قد نجد في تضاعيفه كثيرا من الخير وقوة الأسر . وإذا تأملنا ما قاله البحتري في المدح نجده في نهاية الأمر يدور على مجموعة من الفضائل النفسية والسلوكية والاجتماعية تؤدي ولا شك إلى رقي المجتمع لو أنها تحققت بين سائر أفراده ومؤسساته . ووفقا لمعايير الجودة في القديم يعتبر البحتري من كبار المادحين بل إنه عند أبي هلال العسكري أكبر المداحين جميعا ويورد أبو هلال مدحة للبحتري في الفتح بن خاقان منها قوله . اغز لنا من جوده وسماحه ظهير عليه ما يخيب وشافع ويعقب عليها بقوله : لم يبق وجه من وجوه المدح في الجود والشجاعة وثقوب الرأي ومضاء العزيمة والدهاء وشدة الفكر إلا قد اجتمع ذكره في هذه الأبيات ولا أعرف أحدا يستوفي هذه المعاني في أكثر مدائحه إلا البحتري . وقد مدح البحتري طوائف مختلفة . من الناس فيها الملك ومستشار الملك وفيها الوزير وفيها الكاتب وفيها النديم وفيها القائد وفيها غير أولئك من رجال الدولة وعظمائها وكان لبقا في مدح هؤلاء جميعا من ناحية انه يمدح كل من يتصل به بصفاته الخاصة التي تميزه عمن سواه . وهناك ظاهرة تسترعي النظر في شعره المدحي تلك انه لا يطنب في مدح الملوك وأشباه الملوك ويطيل في مدح الكتاب وأشباههم والسر في ذلك ان الملك ومن قاربه كانوا يسأمون طوال القصائد ويملونها - وكثير من العظماء يملون المدح الطويل لأنه لا يعلق بالآذان ولا يسير على ألسنة الرواة . ولا يأتي آخره إلا وقد نسي أوله ويفضلون عليه الموجز الذي يعلق باذهان الرواة . بقيت دعوى نقلها إلينا صاحب كتاب العمدة إذ قال : ومن الشعراء من ينقل المديح عن رجل إلى رجل ، وكان ذلك دأب البحتري وفعله أبو تمام في قصائد معدودة . أما ان البحتري كان ينقل المدح من رجل إلى آخر فلا نستبعده وخاصة في بداية حياته الشعرية ، وقد يكون في فعله هذا متشبها بأبي تمام . ولكنه مع عدم استبعاده عليه لم يرو له أحد قصيدة نقلها من ممدوح إلى آخر كما حفظ التاريخ ذلك لأبي تمام . وقد يكون نقل الشعر من ممدوح إلى سواه غير مستغرب بين شعراء ذلك العصر . إذا لم يأخذوا نوالا عليه . والنقاد أنفسهم كانوا لا يرون غضاضة على الشاعر في ذلك إذا لم ينل الثواب على مدحه وإلا كان ذلك قلة وفاء وفرط خيانة . ومن روائع البحتري في المدح تلك الرائية التي مدح بها المتوكل وصور فيها خروجه لأداء صلاة عيد الفطر والتي مطلعها : أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر وألام في كمد عليك واعذر وكان ابن خلكان من السابقين إلى الإشادة بتلك القصيدة إذ يقومها بقوله : وهذا الشعر هو السحر الحلال على الحقيقة والسهل الممتنع فلله درة ما أسلس قياده وأعذب ألفاظه وأحسن سبكه وألطف مقاصده وليس فيه من الحشو شيء بل جميعه نحب . والبحتري الفنان المصور يلون الصورة بما يلائمها ويظهر شموخها من عناصر الطبيعة وصور الحضارة فالجبال تكاد تتحرك والغبار ينعقد والشمس تتالق وتخبو والخيول تصهل والملابس والأسلحة تلمع وتزدهي . كما استطاع البحتري أن يضمن الكثير من مدائحه ، الهام والغزير من وقائع عصره السياسية والاجتماعية والعسكرية فجاء ديوانه تصويرا فنيا رائعا لتلك الأحداث الجليلة . يقول الأستاذ محمد مهدي البصير : ان مدائح البحتري تصف الحضارة العباسية وصفا فائقا وتصور الوقائع السياسية والحربية المهمة بمنتهى الأمانة والمهارة ويعقب عليها بصورة مؤثرة وبكثرة عجيبة . ولك أن تتصفح ديوانه لترى انه سجل حافل بما حدث للخلافة العباسية في أثناء القرن الثالث للهجرة من حروب ومشاكل سياسية في الداخل والخارج فبينما هو يحدثك عن فتنة بابك الخرمي التي اشتعلت نارها في أوائل هذا القرن إذ هو يحدثك عن تمرد آل الصفار وقيام ثورة صاحب الزنج في أواسطه وبينما هو يحدثك عن فتنة مدينة أو ثورة قبيلة إذ هو يحدثك عن خلع خليفة وأبعاده إلى زاوية من زوايا ملكه بالأمس ، وبينما هو يحدثك عن هذه الشؤون الداخلية المضطربة المعقدة أشد التعقيد إذ هو يحدثك عن المعارك الطاحنة التي تدور رحاها في آسيا الصغرى بين المسلمين والروم . وفي الحق أن المدح ليرتفع شانه وتبرأ الكثير من نماذجه مما يراه البعض من أنه كان وسيلة متهافتة للارتزاق والتملق حينما تقوم بعض نماذجه الممتازة بما سبقت الإشارة اليه . وإذا كانت العواطف والانفعالات جانبا أساسيا في حياة الإنسان فالذي لا شك فيه ان الدين والأخلاق والسياسة والحرب والسلام هي أيضا عمد رئيسية لتلك الحياة وتصويرها من خلال الفن - هو في حقيقته تصوير لما تتبدى به تلك الحياة في كل زمان ومكان . والشواهد على هذا النمط الرفيع من شعر المديح وفيرة في ديوان البحتري . ولعل ما أنشأه في تصوير بطولة محمد بن يوسف الثغري في نضاله ضد بابك الخرمي وضد الروم في الثغور يدل أوضح الدلالة على ما ذهبنا اليه . وأبرز قصائده في هذا المجال القصيدة التي مطلعها : زعم الغراب منبئ الأنباء ان الأحبة آذنوا بثناء والقصيدة التي مطلعها : يا أخا الأزد ما حفظت الإخاء لمحب ولا رعيت الوفاء وفي الحق ان المدح وجد من فنية البحتري وحبه الغريزي للوصف والتصوير ما أعطى لكثير من نماذجه قيمة كبرى وخلودا .