حسن الأمين
310
مستدركات أعيان الشيعة
لأية حالة تهجو عليا بما لفقت من كذب وزور وعلي بن الجهم هذا كان من ندماء المتوكل الذي كان البحتري أثيرا لديه وصاحب حظوة عنده وأعتى ملوك بني العباس على الشيعة إلى حد انه أمر بهدم قبر الحسين ع . والذي حرك البحتري على هجاء هذا الشاعر هو التشيع . وما يمكن أن يستدل به على تشيعه موقفه من المنتصر بن المتوكل . والمعروف عن المنتصر انه كان ينكر على أبيه كرهه لعلي بن أبي طالب . وربما كان بعض الندمان يفيض في ثلب علي فينكر المنتصر ذلك ويتهدده ويقول للمتوكل : ان عليا هو كبير بيتنا وشيخ بني هاشم فان كنت لا بد ثالبه فتول ذلك بنفسك ولا تجعل لهؤلاء سبيلا إلى ذلك . ومع أن البحتري بقي وفيا للمتوكل حتى بعد وفاته ، ومع أن المنتصر شارك في مقتل والده فان البحتري مدح المنتصر بقصيدة واحدة هي أقرب ما تكون في مدح العلويين منها في مدح هذا الملك العباسي لا لشيء إلا لأنه أعاد بعضا من حقوق العلويين إليهم ورفع عنهم الاضطهاد الذي كان مسلطا عليهم أيام حكم المتوكل . ومما يقوله في هذه القصيدة : رددت المظالم واسترجعت يداك الحقوق لمن قد قهر وآل أبي طالب بعد ما أذيع بسر بهم فانذعر ونالت أدانيهم جفوة تكاد السماء لها تنفطر وصلت شوابك أرحامهم وقد أوشك الحبل ان ينبتر فقربت من حظهم ما ناى وصفيت من شربهم ما كدر وأين بكم عنهم واللقاء لا عن تناء ولا عن عفر قرابتكم بل أشقاؤكم وإخوتكم دون هذا البشر ومن هم وأنتم يدا نصرة وحدا حسام قديم الأثر يشاد بتقديمكم في الكتاب وتتلى فضائلكم في السور وان عليا لأولى بكم وأزكى يدا عندكم من عمر أما تألمه على المتوكل بعد موته مع نصبه فلإحسانه العظيم اليه وعدم عراقة الشعراء في الدين إلا من قل . صلته بالأعيان والحكام بدأ البحتري حياته متكسبا بشعره يقصد باعة البصل والباذنجان ومن لف لفهم يمدحهم وينشدهم في ذهابه وإيابه . ويمدح أبا جعفر القمي يستهديه أضحية فلما وصل إلى سامراء بدأت صلته بالكتاب فاتصل بإسماعيل بن شهاب الذي كان كاتبا للقاضي أحمد بن أبي دؤاد . وليس هناك ما يدل على اتصاله بالمعتصم أو بالواثق . وان كانت أول علاقة هامة له كانت بأبي سعيد محمد بن يوسف الثغري الذي كان ينتجعه ويقيم في كنفه حيث يمدحه بقصيدة يعزيه فيها بوفاة المعتصم ويهنئه بقيام الواثق . وللبحتري قصائد في محمد بن راشد الخناق أحد المختصين بالمعتصم . كما له قصائد في الحسن بن سهل وولديه إبراهيم والحسين . وله فيهم خمس عشرة قصيدة ومقطوعة . ومدح الكاتب الحسن بن وهب الذي كان يكتب للوزير محمد بن عبد الملك الزيات وزير الواثق . مدحه بقصيدتين وعاتبه بمقطوعة . وقد توسله البحتري للوصول إلى محمد بن عبد الملك الزيات ونجح في ذلك حيث نجد له قصيدة في مدح الوزير المذكور . وممن اتصل بهم في هذه الأثناء من الكتاب أيضا أبو نوح عيسى بن إبراهيم كاتب الفتح بن خاقان وزير المتوكل وخدينه . ويظهر أن البحتري جهد ان يوطد صلته بهذا الكاتب ليصل بوساطته إلى هدفه البعيد وهو الفتح ابن خاقان ولهذا فقد أنشأ ثماني قصائد في مدحه وعتابه ووصف علته . وكان البحتري في سبيل الوصول إلى غايته البعيدة يمدح صغار الكتاب والعمال مشيدا بهم فنراه ينظم المقطعات والقصائد في أمثال نجاح بن سلمة . وعند ما اقتيد الثغري إلى السجن قال البحتري قصيدتين مستنكرا ذلك أحدثتا دويا معينا وأوصلتا الشاعر إلى بلاط الخلافة . وفي هذه الأثناء اتصل البحتري بعلي بن يحيى المنجم أحد ابرز المقربين من الفتح بن خاقان وكان هذا على ما يبدو كثير الحدب على الأدباء والشعراء وكثيرا ما كان يوصلهم إلى الخلفاء والأمراء ويستخرج لهم منهم الصلات والهبات فكثر أخدانه منهم وكثر مديحهم له فاتصل شاعرنا ومدحه بثلاث قصائد . وحقق البحتري غايته أخيرا ووصل إلى الفتح بن خاقان وفي أخبار البحتري للصولي هذا الخبر عن ابن البحتري : حدثني أبي قال : امتدحت الفتح بن خاقان أول أمري فامرني بالمقام وتأخرت جائزته فكتبت اليه : لك النعماء والخطر الجليل - القصيدة . فما كان أسرع ما جاءت جائزته وأمرني بالمقام . وقد قضى البحتري في ظل الفتح مدة تناهز أربع عشرة سنة وما وصلنا من شعره فيه يبلغ حوالي تسعا وعشرين قصيدة ومقطعة [ نربو ] تربو على ثلاثين وثمانمائة بيت . وأغلب الظن أن مرد قلة هذا النتاج نسبة إلى المدة الزمنية عائد إلى عدم انقطاع الشاعر إلى الفتح لأنه اتصل في هذه الأثناء برجل السلطة الأول المتوكل وكان يوزع شعره بين الاثنين . هذا إلى أنه كان أحيانا يؤم بشعره أناسا آخرين . وبعد ان وطد البحتري صلته بالفتح التمس من ممدوحه أن يقدمه إلى المتوكل وهكذا كان . وقد حظي البحتري لدى المتوكل بما لم يحظ به في أي مكان آخر وأنشأ فيه روائع مدائحه وجميل أوصافه وواكبه في أكثر أعماله . ويظهر أن البحتري أصبح شاعر البلاط لأول مرة في عهد المتوكل . وأصبح نديما له لا يكاد يفارقه ويبدو انه استهل صلته به بابدال كنيته القديمة وهي أبو الحسن بأبي عبادة لما عرف عن المتوكل من حقد على الشيعة . وانثالت عليه عطايا المتوكل وهباته حتى أثرى وأفاد وقد سجل الشاعر الكثير من اعمال المتوكل في خلال الحقبة التي وأكبه فيها والتي أربت على اثنتي عشرة سنة . وبلغ ما أنشأه البحتري في هذه الحقبة زهاء تسع وثلاثين قصيدة ومقطعة اشتملت نحو أربع وستين وثمانمائة بيت . بعد المتوكل ولي الأمر ابنه المنتصر . مدحه البحتري بقصيدة واحدة أشاد فيها بموقف المنتصر المنصف من الطالبيين . ولما ولي من بعده المستعين نظم فيه البحتري أربعة مدائح يبلغ عدد