حسن الأمين
304
مستدركات أعيان الشيعة
قال قاسم بن يزيد الجرمي : كان الثوري يدعو وكيعا وهو غلام فيقول : يا رؤاسي تعال ، اي شيء سمعت ؟ فيقول : حدثني فلان بكذا ، وسفيان يتبسم ويتعجب من حفظه . قال ابن عمار : ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث من وكيع ، وكان جهبذا سمعته يقول : ما نظرت في كتاب منذ خمس عشرة سنة الا في صحيفة يوما ، فقلت له : عدوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث غلطت فيها . قال : وحدثتهم بعبادان بنحو من ألف وخمسمائة ، أربعة أحاديث ليست بكثيرة في ذلك . قال محمد بن عمران الأخنسي : سمعت يحيى بن يمان يقول : نظر سفيان إلى عيني وكيع فقال : لا يموت هذا الرؤاسي حتى يكون له شان ، فمات سفيان ، وجلس وكيع مكانه . قال الشاذكوني : قال لنا أبو نعيم يوما : ما دام هذا التنين حيا - يعني وكيعا - ما يفلح أحد معه . قال ابن عدي : حدثت عن نوح بن حبيب عن عبد الرزاق ، قال : رأيت الثوري وابن عيينة ومعمرا ومالكا ، ورأيت ورأيت ، فما رأت عيناي قط مثل وكيع . وقال بشر بن موسى : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما رأيت قط مثل وكيع في العلم والحفظ والاسناد والأبواب مع خشوع وورع . قلت : يقول هذا احمد مع تحريه وورعه ، وقد شاهد الكبار مثل هشيم وابن عيينة ويحيى القطان وأبي يوسف القاضي وأمثالهم . وقال صالح بن أحمد : قلت لأبي : أيما أثبت عندك ، وكيع أو يزيد ؟ فقال : ما منهما بحمد الله الا ثبت ، وما رأيت أوعى للعلم من وكيع ، ولا أشبه من أهل النسك منه ، ولم يختلط بالسلطان . قال قتيبة : سمعت جريرا يقول : جاءني ابن المبارك فقلت له : يا أبا عبد الرحمن من رجل الكوفة اليوم ؟ فسكت عني ثم قال : رجل المصرين وكيع . وبعد ان يروي الذهبي عن وكيع جميع ما مر ، ينقل عن ابنه سفيان برنامجه اليومي قائلا : عن سفيان بن وكيع . قال : كان أبي يجلس لأصحاب الحديث من بكرة إلى ارتفاع النهار ، ثم ينصرف ، فيقبل ، ثم يصلي الظهر ويقصد الطريق المشرعة التي يصعد منها أصحاب الروايا فيريحون نواضحهم ، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر ، ثم يرجع إلى مسجده فيصلي العصر ، ثم يجلس يدرس القرآن ويذكر الله إلى آخر النهار ، ثم يدخل منزله ، فيقدم اليه إفطاره ، وكان يفطر على نحو عشرة أرطال من الطعام ( بالرطل البغدادي الذي يزن 375 غراما تقريبا ) . ثم تقدم اليه قرابة فيها نحو من عشرة أرطال من نبيذ ، فيشرب منها ما طاب على طعامه ، ثم يجعلها بين يديه ، ثم يقوم فيصلي ورده من الليل ، كلما صلى شيئا شرب منها حتى ينفذها ، ثم ينام ! ! وعن شربه النبيذ يقول الذهبي : ومع هذا فكان ملازما لشرب نبيذ الكوفة الذي يسكر الإكثار منه فكان متأولا في شربه ، ولو تركه تورعا لكان أولى به ، فان من توقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، وقد صح النهي والتحريم للنبيذ المذكور ، وليس هذا موضع هذه الأمور ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك ، فلا قدوة في خطا العالم ، نعم ، ولا يوبخ بما فعله باجتهاد ، نسأل الله المسامحة . وعن تشيعه يروي الذهبي : سئل أحمد بن حنبل : إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن بن مهدي بقول من نأخذ ؟ فقال : نوافق عبد الرحمن أكثر وخاصة في سفيان ، كان معنيا بحديثه ، وعبد الرحمن يسلم منه السلف ، ويجتنب شرب المسكر ، وكان لا يرى أن يزرع في ارض الفرات . ( انتهى ) . والشاهد في قوله : ( عبد الرحمن يسلم منه السلف ) . ثم يتابع الذهبي قائلا : مر قول احمد : إن عبد الرحمن يسلم منه السلف ، والظاهر أن وكيعا فيه تشيع يسير لا يضر إن شاء الله ، فإنه كوفي في الجملة ، وقد صنف كتاب فضائل الصحابة ، سمعناه قدم فيه باب مناقب علي على مناقب عثمان . ويروي الذهبي : قال حنبل بن إسحاق : سمعت ابن معين يقول : رأيت عند مروان بن معاوية لوحا فيه أسماء شيوخ : فلان رافضي ، وفلان كذا ، ووكيع رافضي . فقلت لمروان : وكيع خير منك ، قال : مني ؟ قلت نعم ، فسكت ، ولو قال لي شيئا لوثب أصحاب الحديث عليه . قال فبلغ ذلك وكيعا ، فقال : يحيى صاحبنا ، وكان بعد ذلك يعرف لي ويرحب . وعن تورعه يقول الذهبي : قال محمد بن علي الوراق : عرض القضاء على وكيع فامتنع . قال محمد بن عامر المصيصي : سالت احمد : وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد ؟ فقال : وكيع ، قلت كيف فضلته على يحيى ، ويحيى مكانه من العلم والحفظ والإتقان ما قد علمت ؟ قال : وكيع كان صديقا لحفص بن غياث ، فلما ولي القضاء هجره ، وإن يحيى كان صديقا لمعاذ بن معاذ ، فلما ولي القضاء لم يهجره يحيى . وعن منزلة وكيع يروي : وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه . ويروي عن أحمد بن حنبل : كان وكيع امام المسلمين في زمانه . ومن طريف ما يرويه عن شربه النبيذ : قال إسحاق بن بهلول : قدم علينا وكيع فنزل في مسجد الفرات ، وسمعت منه ، فطلب مني نبيذا فجئته به ، وأقبلت اقرأ عليه الحديث ، وهو يشرب ، فلما نفذ ما جئته به ، أطفأ السراج ، قلت : ما هذا ؟ قال : لو زدتنا ، زدناك . . . وقال أبو سعيد الأشج : كنت عند وكيع فجاءه رجل يدعوه إلى عرس ، فقال : أثم نبيذ ؟ قال : لا . قال : لا نحضر عرسا ليس فيه نبيذ ، قال : فاني آتيكم به : « قال جعفر الطيالسي : سمعت يحيى بن معين يقول : سمعت رجلا يسال وكيعا ، فقال : يا أبا سفيان ، شربت البارحة نبيذا فرأيت فيما يرى النائم كان رجلا يقول : شربت خمرا . فقال وكيع : ذلك الشيطان ! . . وفي مقابل ما رواه الذهبي عن تشيعه فقد روى أنه : يفتي بقول أبي حنيفة ، وكان قد سمع منه كثيرا ، وانه يقول : الجهر بالبسملة بدعة . وانه يقول : من شك أن القرآن غير مخلوق فهو كافر ، وانه يقول : من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أنه محدث ، ومن زعم أن القرآن محدث فقد كفر . وقد عرض وكيع نفسه مرة للموت حين روى أن النبي ترك بعد موته يوما وليلة حتى ربا بطنه وانثنت خنصراه . فأنكر قوم عليه هذا القول لان جسد النبي بعد موته لا يجري عليه - برأيهم - ما يجري على أجساد سائر الناس ، فرفعوا الأمر إلى والي مكة فحبسه وعزم على قتله ، ونصبت خشبة خارج الحرم لصلبه عليها ، ولم تنفع شفاعة سفيان بن عيينة في إنقاذه ، لولا ان سفيان هول على الوالي قائلا : اني لك ناصح ، هذا رجل من أهل العلم وله عشيرة ، وولده بباب أمير المؤمنين ، فتشخص لمناظرتهم . فعمل فيه كلام سفيان فأمر باطلاقه ، فارتحل عن مكة . فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع ، وقالوا إذا قدم عليكم فلا تتكلوا على الوالي ، وارجموه حتى تقتلوه ، فعرض أهل المدينة