حسن الأمين
303
مستدركات أعيان الشيعة
الفتنة أكبر من القتل . وقد استقى صورا قرآنية كنسج العنكبوت وأشار إلى قصص القرآن كقصة يونس وبقرة موسى وناقة صالح وغرق فرعون وخروج آدم من الجنة وكثر في شعره القسم بالهدي وبالكعبة وبخليل الرحمن . . وقد كان لهذه الثقافة الدينية أثرها وتيقظها حينا بعد حين كما حدث له عندما مدح الإمام زين العابدين ع بقصيدته الرقيقة الصادقة المشبعة بالروح الدينية الصافية . ومع ذلك فان الفرزدق ظل الأمين الحفيظ على تراث الجاهلية وأخلاقها وفضائلها . وكان يجاهر باعرابيته وبداوته لا يخفي ذلك ولا يستره : وانا أهل بادية ولسنا بأهل دراهم حضروا القرارا وكان من ذلك أن كثر في مدائحه ومفاخرة تغنيه بالمثل والفضائل العربية الجاهلية . وكان هجاؤه معرضا لأوصاف الذم التي عابها الجاهليون . فهو يفخر بنيل الثار ويعير من رضي الدية كفاء دمه : كلوا ما جمعتم من ديات فإنهم بنو محصنات لم تدنس ثيابها ولقد أوتي الفرزدق قدرة على تضمين الأخبار في شعره وقدرة على القص حتى قيل : لولا شعر الفرزدق لذهب نصف أخبار الناس . وكذلك أوتي براعة في السخرية ومهارة في عرض صور هازلة تستثير الضحك وقد مضى في هذا المضمار شوطا بعيدا يدل على أصالة وموهبة . وتجلت هذه الموهبة في أهاجيه لجرير بشكل خاص . ويأتي له تشابيه بذيئة غايتها الافحاش المضحك . وأسلوب الفرزدق جزل قوي شديد التلاحم وثيق الاتصال بنفسه المتعالية المزهوة . وله قدرة مميزة على الارتجال والتجويد في آن معا كما في قصيدته التي مدح بها الإمام زين العابدين وان كانت الأخبار تدل على أن الشعر لا يواتي الشاعر في كل وقت . يقول الفرزدق : انا أشعر الناس عند الناس ولربما كان قلع ضرس من أضراسي أهون علي من قول بيت . وقد أفتن الفرزدق في استخدام التشبيه والاستعارة والكناية وان كان يستمد أكثر صوره من حياة البادية . وتجلى في أسلوب الفرزدق الجزل المتلاحم مقدرة الشاعر على الإيجاز وتضمين المعنى الكثير في اللفظ القليل ولذلك قدر الفرزدق ان يكون أكثر الثلاثة الفحول بيتا مقلدا . والبيت المقلد : المستغني بنفسه المشهور الذي يضرب به المثل : فمن ذلك قوله : فيا عجبا حتى كليب تسني كان أباها نهشل أو مجاشع وقوله : وكنا إذا الجبار صعر خده ضربناه حتى تستقيم الأخادع ويتصل بهذا مقدرة الشاعر على اختيار اللفظ الدال على المعنى حتى لا يقع لفظ آخر موقعه . ويتجلى في شعر الفرزدق ما يميل اليه الشاعر من إيثار التهويل على سامعه والمبالغة ليبلغ ما يريده لمعانيه من التضخيم . وقال بعض النقاد في المفاضلة بين الفرزدق وجرير وتبيان الوجوه الفنية التي تفوق فيها الفرزدق : الفرزدق أشعر لأنه أقواهما أسر كلام واجراهما في أساليب الشعر وأقدرهما على تطويل وأحسنهما قطعا « ( القطع : القافية ) . وقالوا في الموازنة بينه وبين جرير أيضا : أما ما كان يميل إلى جزالة الشعر وفخامته وشدة أسره فيقدم الفرزدق وأما من كان يميل إلى أشعار المطبوعين وإلى الكلام السمح السهل الغزل فيقدم جريرا . وقد تناثرت في أشعار الفرزدق ألوان من محسنات البديع دلت على مهارة الشاعر . وكان الطباق أكثر ألوان البديع التي اصطنعها كما اصطنع الجناس ولكن جرى وراء أسهله وأقله كلفة وهو الجناس الذي يعقده المرء بين اسم العلم ومشتق منه بجانسه من مثل قوله : جفاف أجف الله عنه سحابه وأوسعه من كل ساف وحاصب وفي كتب البلاغة طائفة من أشعاره هي أمثلة لما أتى به الفرزدق من هذين اللونين من ألوان البديع : الطباق والجناس . كما ذكروا له ألوانا بديعية أخرى كرد الإعجاز على الصدور والاستشهاد والاحتجاج والاستطراد والحشو الحسن . ويكفي الفرزدق قول خصمه جرير : نبعة الشعر الفرزدق . وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي مر ذكره في الصفحة 274 من المجلد العاشر ، قيل فيها عنه ان ابن رستة عده في الأعلاق النفيسة من الشيعة . وقد ترجم له الذهبي في ( سير أعلام النبلاء ) ترجمة مفصلة قال عنه في مطلعها بأنه محدث العراق وأحد الاعلام . وان ممن حدث عنه أحد شيوخه سفيان الثوري ، وأن والده كان ناظرا على بيت مال الكوفة وله هيبة وجلالة وأنه من بحور العلم وأئمة الحفظ . كما نقل عن أحمد بن حنبل بان مولده كان سنة 129 . وكذلك فان مما أورده الذهبي عنه : انه لما مات سفيان الثوري جلس وكيع موضعه ، وان حماد بن زيد رجحه على سفيان . وانه كان يصوم الدهر ويختم القرآن كل ليلة ، وانه مع هذا كان ملازما لشرب نبيذ الكوفة الذي يسكر الإكثار منه ، فكان متأولا في شربه ولو تركه تورعا لكان أولى . وانه عرض عليه القضاء فامتنع ، وانه حدث بدمشق فاخذ عنه هشام بن عمار وابن ذكوان ، قال أحمد بن أبي خيثمة : حدثنا محمد بن يزيد ، حدثني حسين أخو زيدان قال : كنت مع وكيع ، فأقبلنا جميعا من المصيصة أو طرسوس ، فأتينا الشام ، فما أتينا بلدا الا استقبلنا واليها ، وشهدنا الجمعة بدمشق ، فلما سلم الامام أطافوا بوكيع فما انصرف إلى أهله يعني إلى الليل . قال فحدث به مليحا ابنه ، فقال : رأيت في جسد أبي آثار خضرة مما زحم ذلك اليوم . وقال محمد بن سعد : كان وكيع ثقة مأمونا عاليا رفيعا كثير الحديث حجة . وقال محمد بن خلف التيمي : أخبرنا وكيع قال : أتيت الأعمش فقلت : حدثني ، قال : ما اسمك ؟ قلت : وكيع . قال : اسم نبيل ، أين تنزل من الكوفة ؟ قلت : في بني رؤاس . قال : اين من منزل الجراح بن مليح ؟ قلت : ذاك أبي ، وكان على بيت المال ، قال لي : اذهب فجئني بعطائي ، وتعال حتى أحدثك بخمسة أحاديث . فجئت إلى أبي فأخبرته ، قال : خذ نصف العطاء واذهب ، فإذا حدثك بالخمسة فخذ النصف الآخر حتى تكون عشرة ، فأتيته بنصف عطائه فوضعه في كفه وقال : هكذا ؟ ثم سكت . فقلت : حدثني ، فاملى علي حديثين ، فقلت : وعدتني بخمسة . قال : فأين الدراهم كلها ؟ أحسب ان أباك أمرك بهذا ، ولم يدر أن الأعمش مدرب وقد شهد الوقائع ؟ اذهب فجئني بتمامه ، فجئته ، فحدثني بخمسة ، فكان إذا كان كل شهر جئته بعطائه ، فحدثني بخمسة أحاديث .