حسن الأمين
298
مستدركات أعيان الشيعة
العصبية والشرف أو مقاييس الفن وقيمه إلى ضروب من الإغراء شتى . فاتسعت آفاق المناقضة وجرى في ميدانها أمثال الصلتان العبدي الذي فضل جريرا في الشعر والفرزدق في الشرف . والمنقري الذي هجا الفرزدق وجريرا معا وثلث بالبعيث ونال منهم جميعا . وكان هجاء . وسراقة البارقي والراعي النميري والأخطل وعمر بن لجا الذين فضلوا الفرزدق لكرمه وشعره ورفعوه على جرير . ولكن الشعراء المتصرفين بين جرير والفرزدق لم يثبتوا في أرض المعركة ومنهم من لم يلتفت اليه احتقارا لشأنه واستصغارا فهووا كما هوى البعيث . ولم يبق منهم غير الأخطل . وكانت فرحة الفرزدق بالأخطل بالغة لقد انضم اليه شاعر فحل يقوى ان يقف امام جرير ليقول : فان يك أقوام أضاعوا فإنني وصلت الذي بيني وبين الفرزدق وقد عبر الفرزدق عن فرحته بالأخطل فخص تغلب بواحدة من روائع قصائده يشيد فيها بماثرها وأيامها ووقائعها ونسي في غمرة فرحه ان يفخر بقومه من دارم فإذا هي ثناء على تغلب خالص لا يشوبه مدح لغيرهم . ولم يجد جرير ما يقوله سوى التذكير بنصرانية تغلب : فخرت بقيس وافتخرت بتغلب فسوف ترى : أي الفريقين أربح فاما النصارى العابدون صليبهم فخابوا وأما المسلمون فافلحوا والحق ان حب الفرزدق للأخطل قد تملك عليه نفسه وكان صادقا فيه كل الصدق ، دعاه خليله وأخاه في حديثه وشعره وأثنى عليه وجعله من شركائه في وراثة شعر الفحول . ويبدو أن علاقتهما كانت منذ البداية تقوم على التقدير المتبادل يبدو هذا إذا أخذنا بالرواية التي تخبر عن لقائهما الأول . فقد نزل الفرزدق على الأخطل ليلا وهو لا يعرفه فجاءه بعشاء ثم قال له انى نصراني وأنت حنيف فأي الشراب أحب إليك ؟ قال : شرابك ثم جعل الأخطل لا ينشد بيتا إلا أتم الفرزدق القصيدة . فقال الأخطل : لقد نزل بي الليلة شر من أنت ؟ قال : [ شرابك ثم جعل الأخطل لا ينشد بيتا إلا أتم الفرزدق القصيدة . فقال الأخطل : لقد نزل بي الليلة شر من أنت ؟ ] قال : الفرزدق بن غالب . قال : فسجد لي وسجدت له . فقيل للفرزدق في ذلك . فقال : كرهت ان يفضلني . فنادى الأخطل : يا بني تغلب هذا الفرزدق . فجمعوا له إبلا كثيرة . فلما أصبح فرقها ثم شخص . ولج الهجاء وتكاوح الشر بين الثلاثة وظلوا يتصاولون حتى اختطفت الأخطل منيته سنة 92 هفكان من آخر كلماته : أوصى الفرزدق عند الممات بأم جرير وأعيارها فلما بلغ الفرزدق خبره جزع لفقده وجعل يحن عليه ويقول : ساخذ بوصية أخي ثم تشمر للدفاع عن تغلب : أمسى لتغلب من تميم شاعر يرمي القبائل بالقصيد الأثقل وخلا الميدان ليجري فيه الشاعران أشواطا كثيرة فما اوقفهما إلا الموت . يهجو جرير الفرزدق بان أهله قيون ( حدادون ) وأن قومه خانوا الزبير بعد أن كانوا جيرانه ويهجوه أيضا بجبنه وضعفه . أما الفرزدق فكان هجاؤه شديد الفحش والأقذاع كثير الغريب بعيدا عن أن يسير على الألسن . وكان يعير جريرا بشظف العيش والفقر وبضعف أبيه عطية في المجتمع وبخله ثم يعيره بضعف بني كليب ويربوع بالإضافة إلى دارم ومجاشع وهو كثير الفخر بنفسه في معرض ذمه خصمه . وقد ذكر بعض النقاد أن الفرزدق كان أشعر من جرير في الهجاء لأنه أقواهما أسر كلام واجراهما في أساليب الشعر وأقدرهما على التطويل وأحسنهما قطعا . وكذلك قدمه البحتري على جرير في الهجاء أيضا من حيث المعاني والأغراض وكان يقول : وجرير لا يعدو في هجائه الفرزدق ذكر القين وقتل الزبير والفرزدق يرميه بكل آبدة . ومن مشهور هجاء الفرزدق لجرير قصيدته : ان الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعم وأطول والتي رد عليها جرير بقصيدته : لمن الديار كأنها لم تحلل بين الكناس وبين طلح الأعزل هذا وقد مثلت النقائض جانبا من حياة القبائل الاجتماعية والسياسية في العصر الأموي يقوم على المفاخرة والتهاجي فاحيت بذلك ما كمن وتوارى من نزعات الجاهلية . وأصبحت بالتالي خير معرض لأيام العرب وأخبارها ومفاخرها ومعايبها . ومع ذلك فإنها تخالف موروث الجاهلية . إذ كان الجاهليون يعبرون عن وقائع قائمة ومعارك تراق فيها الدماء ويتنازعون نزاعا هم فيه ألسنة قبائلهم . أما نقائض جرير والفرزدق فكانت مفاخرة ومهاجاة لا تبلغ أن تثير الأحقاد وتؤجج الأضغان لأنها لم تكن تلبية لحروب ووقائع بل هي مهاداة ومغالبة تروم ان تنتزع الإعجاب وتظفر بالتفوق وتسكت الخصم وكأنها كانت البديل لما كان يقوم في الجاهلية من أيام ومنازعات وخصومة . من هنا كثر في النقائض الافتراء والكذب حتى كان النقائض كانت تهدف إلى المغالبة الفنية والانتصار في القول أكثر مما تهدف إلى أي غرض آخر . بل ربما كانت معارك يراد بها اللهو والتسلية . وخلاصة القول إن النقائض صورت من الناحية السياسية النزاع على الخلافة بين الأمويين وخصومهم . والشعراء الذين دخلوا في هذا النزاع لم يدخلوه وهم يحملون عقيدة أموية أو زبيرية أو علوية وإنما دخلوه للتكسب في الدرجة الأولى . حتى أن الشعراء الزبيريين انقلبوا بعد ذلك أمويين ( لانتصار هؤلاء ) . وكذلك لم يتحوب الفرزدق - وكان يمثل العلويين - من أن يمدح بني أمية . وكذلك الأخطل المسيحي فقد مدح ملوك بني أمية مدائح اسلامية الطابع . على أن نفرا قليلا من الشعراء لم يفعلوا ذلك فقد ظل الكميت العلوي على وفائه لآل البيت . وأما عمر بن أبي ربيعة فإنه لم ينغمس في المناقضات قط . من الناحية الاجتماعية تكشف لنا النقائض ان البداوة ظلت غالبة على المجتمع الأموي . فالشعر الأموي مملوء بالمفاخر الجاهلية والبدوية كالفخر بالأنساب وبأيام العرب وبالكلام على الثار . وظل شعراء المناقضات حتى أواخر العصر الأموي يعدون الحياة الحضرية في باب المعائب فالأخطل هجا الأنصار لأنهم زراعون وجرير ظل لآخر حياته يهجو بني مجاشع لأنهم