حسن الأمين

299

مستدركات أعيان الشيعة

قيون ( حدادون ) ذلك لأن القيانة وسائر الصناعات كان يقوم بها العبيد . ولكن الشعر الأموي امتلأ أيضا بالألفاظ الإسلامية والآراء الإسلامية بما في ذلك شعر الأخطل الذي رأى في عبد الملك : خليفة الله يستسقى به المطر . . . اما ذكر جرير والفرزدق للصلاة والحج واقتباسهما من القرآن الكريم فظاهران . وقد يكون الفرزدق وجرير قد شربا الخمر فعلا ولكنهما لم يصفاها . بل إن جريرا كان يعير الفرزدق أحيانا بشربها . من الناحية اللغوية الخالصة حفظ شعراء النقائض اللغة العربية صافية كما كانت في الجاهلية . فقد قيل لولا الفرزدق لذهب ثلث اللغة . وقيل بل ثلثاها . وكذلك حفظوا لهذه الألفاظ جزالتها واستعملوا هذه الألفاظ لتدل على معانيها الصحيحة التي لم تكن شوهت بعد بالاختلاط بغير العرب . فالألفاظ التي حفظت لنا في النقائض إذن كانت كثيرة وكان أكثرها غريبا متصلا بالمعاني الجاهلية القديمة . بل لعل قسما من ألفاظ النقائض كان أكثر غرابة من ألفاظ المعلقات . وكذلك إذا نظرنا في التراكيب رأيناها متينة تجري على الأسلوب العربي القديم حتى ليمكن القول إن النقائض كانت مزيجا من معان قديمة وجديدة ولكن في لغة قديمة . من الناحية الأدبية كانت النقائض تقليدا واضحا للمعلقات خاصة تقليدا في شكل القصيدة وفي كثرة أغراضها وطول نفسها وفي كثير من خصائصها الأخرى كالفخر بالأنساب والهجاء القبلي والنسيب في مطالع القصائد . ومع أننا لا نعجب بالنقائض من الناحية الخلقية والاجتماعية فإننا لا ننكر أن شعراءها قد أضافوا إلى الشعر العربي فنا جديدا هو فن الشعر السياسي أو أنهم على الأصح قد وسعوا هذا الفن الذي ظهرت طلائعه منذ الجاهلية عند النابغة خاصة توسيعا جعله فنا جديدا . والنقائض قد قامت على التكسب بخلاف أكثر الشعر الجاهلي . فشعراء النقائض لم يميلوا إلى حزب دون حزب بدافع المبدأ والعقيدة - كما هي الحال مع الشعراء العلويين بل مالوا إلى كل حزب كان يفيض عليهم العطايا . فنونه الشعرية : - الفخر الفخر : - لم يدع الفرزدق فنا من فنون الشعر الجاهلية التقليدية إلا تمرس به يافعا وشابا وكهلا بيد أن ما وافق عقليته منها كان الفخر خاصة فكاد يطغى على سائر الفنون وكادت آثاره تظهر فيها جميعا من المدح إلى الرثاء إلى الهجاء إلى الوصف إلى الغزل . . . فخر الفرزدق بكرم أصله ونبل عنصره وتفوق قبيلته . يفتخر بقومه بني تميم وبمجاشع ودارم ثم بأهله الأقربين : بجدة صعصعة محيي الموؤدات وبابيه غالب الكريم وبامه ويفتخر بنفسه : بكرمه وبشاعريته . وهو أفخر من صاحبيه جرير والأخطل بل أفخر شعراء العصر الأموي كله . وكأنه لم يكتف بكل هذه المفاخر فقد بلغ منه الزهو والخيلاء كل مبلغ ، وأي عجب أعجب من قصيدته التي فخر فيها على معاوية ولم تتم له ثلاثون سنة . وهي تمثل خيلاء الشاعر وعجبه بنفسه واعتداده بآبائه : ألست أعز الناس قوما وأسرة وأمنعهم جارا إذا خيم جانبه وما ولدت بعد النبي وأهله كمثلي حصان في الرجال يقاربه وبيتي إلى جنب الثريا فناؤه ومن دونه البدر المضيء كواكبه وقد كثر فخره فلم تخل قصيدة قالها في مدح ملوك الأمويين أو ولاتهم من فخره بنفسه . فلا عجب أن نرى الفخر فنه الأول الذي برز فيه وعلا حتى لا يدانيه فيه شاعر في عصره . كان يفخر بمجاشع ودارم وتميم وكان يفخر ببني ضبة أخواله وأخذ يفخر بعد بخندف والخلفاء والنبوة وانتهى إلى الفخر بمضر جمعاء : قيس وخندف . ومن أفانين فخر الفرزدق بسخائه ان يسلك طريق الحكاية والقص بخيال جميل مبتكر وأسلوب هادئ سهل تغريك سهولته . انه يصف قوما جياعا لقيهم يصطلون وتبلغ الحكاية ذروتها حين اقبل المصطلون ذوو اللحى : وقالوا أوهل من فتى مثل غالب وإياي بالمعروف قائلهم عني ويلبي الفرزدق النداء فينحر ناقته وتنتهي الحكاية : فبات لأصحابي وأرباب منزلي واضيا فهم رسل ودفء ومشتوى ولون آخر سلكه الشاعر في التحديث بسخائه هو ما قصه من استضافة الذئب وإطعامه وانه لإحساس انساني رفيع أن يشاطر الشاعر ذئبه مطعمه : فقاسمته نصفين بيني وبينه بقية زادي والركائب نعس وعده رفيقه في سفره وتمنى لو باستطاعته ان يزيد في إكرامه : ولو أنه إذ جاءنا كان دانيا لألبسته لو أنه كان يلبس واننا لا نقع كثيرا على أمثال هذا الشعر الجميل بنفحته الإنسانية . الهجاء أول شعر قاله الفرزدق ربما كان في الهجاء ويكاد هجاؤه يشارك فخره في الإخلاص . وله روعة مؤثرة في نتاجه بما يمده من سمو العاطفة الفخرية وبما يسمو به من الاعتداد بالنفس وبالماثر حتى يصبح طبيعيا ان يتكبر الشاعر على مناظره فيراه دميما صغيرا فيهبط عليه بالأقذاع اللئيم الأليم . وإذا بالهجاء يمتلك شخصية الشاعر كما امتلكها الفخر فيندغمان . فلا يفخر الشاعر بنفسه وبقومه إلا ازرى بخصومه وبقبائلهم . ولا يهجو جريرا أو غير جرير إلا جنح إلى الفخر . وقد بلغ من تغلغل الهجاء في عقليته انه عندما دفع إلى الإقلاع عنه بعامل التوبة كان مفزعه إلى الهجاء نفسه فانتقل من هجو الناس إلى هجو إبليس . وقد اتى الفرزدق الحسن ( البصري ) فقال : اني قد هجوت إبليس فاسمع . فقال لا حاجة لنا بما تقول . قال : لتسمعن أو لأخرجن فأقول ان الحسن ينهى عن هجاء إبليس . فقال الحسن : اسكت فإنك عن لسانه تنطق . وملفت للنظر ان قصائد كثيرة من هجاء الفرزدق تناولت جريرا ورهطه من كليب وكأنه لم يكتف بالنقائض وان مضت هذه القصائد على غرار النقائض في المعاني وان لم تكن تساويها طويلا . بل ربما قلت أبياتها حتى تبلغ البيت والبيتين والثلاثة يثبت فيها الشاعر صورة مرت بخاطره فلم يشأ أن يفلتها . والأقذاع والفحش في هجائه جريرا لا يقصران عنهما في النقائض . ويبدو ان شاعرة كلبية نتصرت لجرير فبالغ الفرزدق في تعريتها بصور فيها الهزء والإضحاك إلى جانب الأقذاع والفحش . وقد بلغ غاية الأقذاع في هجاء خولة الدحداحية الفقيمية التي كانت