حسن الأمين

278

مستدركات أعيان الشيعة

الجزار . . وجعلت الدولة تأخذ من الرعية الأموال والخيل والسلاح وكانت هذه السنة سنة خوف وجزع وذعر شديد . ( 1 ) وفر أولاد ناصيف النصار فارس ومحمد مع بعض مشايخ آل الصغير إلى عكار حيث نزلوا عند آل المرعبي وقيل عند محمد الأسعد حيث اقطعوا أرضا لا تزال تدعى حتى اليوم « بجبل الأسود » . ( 2 ) أما الشيخ قبلان ففر إلى دمشق حيث كان واليها محمد باشا العظم يكن له احتراما وصداقة فاقتطع من بلاد الهرمل قريتي القاع ورأس بعلبك ومنحها له لكن الجزار ما عتم ان أصبح واليا في دمشق ففر قبلان إلى بغداد حيث توفي فيها سنة 1199 ه‍ . ومع غياب السلطة السياسية بعد مقتل ناصيف آلت القيادة العامة إلى علماء جبل عامل فأخذوا بالتحريض على الجزار وشكوه إلى الآستانة ولكن حكومة الباب العالي أرسلت اليه الشكوى فانتقم من موقعيها : فكانت نكبة كبرى حلت بجبل عامل على الصعيد الثقافي لأن ظلم الجزار بلغ مبلغا عظيما في الضغط على العلماء والكبراء حيث تعقبهم قتلا وتعذيبا ومصادرة وتشتيت من بقي منهم في الأقطار واستصفى آثارهم العلمية وكان لأفران عكا من كتب جبل عامل ما أشعلها بالوقود أسبوعا كاملا وكانت هي الضربة الكبرى على العلم وأهله . وما ظنك ببلاد حرص أهلها على طلب العلم حرصا شديدا ولم ينقطع عنها مدده وجابت علماؤها البلاد النائية في طلبه واقتناء كتبه حتى جمعت لديهم تلك الذخائر في قرون وأجيال كانت بعد ذلك طعما للنار في مصادرات الجزار . ( 3 ) المقاومة العاملية للجزار بعد سيطرة الجزار على جبل عامل وهرب مشايخه وزعمائه وتشتت أهاليه جعل الجزار فيه إبراهيم مشاقة متسلما للإدارة وجعل مركزه قلعة مارون وكانت لانتقائه هذا ما يعلله إذ أن إبراهيم مشاقة كان على خبرة في أحوال جبل عامل ونفسية العامليين منذ كان كاتبا لناصيف في صور فنشأت بينه وبينهم علاقات تجارية زاهرة . وقد أحسن هذا إدارة الجبل لكن العامليين كانوا لا يرضون عن الاستقلال بديلا ( 4 ) فبدأوا يضطرمون حقدا على الجزار وينتظرون سانحة للانقضاض عليه . لجئوا إلى تأليف « عصابات » مقاومة تجوب البراري وتهاجم قوات الجزار السارحة في هذا الجبل وتعيث فيهم قتلا ونهبا وهي تقصد إيجاد حالة من البلبلة والفوضى لكي لا يدعوا الجزار يستقر في جبلهم . ( 5 ) لكن ثورتهم الكبرى كانت سنة 1197 / 1783 حين اشتد الخصام بين الأمير يوسف الشهابي والجزار بسبب تلاعب وتقلب الجزار في سياسته مع الدروز بين الأمير يوسف والأمير إسماعيل الشهابي . عندها أرسل أولاد ناصيف ورجالهم يعربون ليوسف عن استعدادهم لقتال الجزار إذا أمن لهم السلاح اللازم فوافقهم وحضروا إلى بلاد الشوف ومنها توجهوا إلى شحور حيث اجتمع العامليون وتدارسوا الأمر فيما بينهم . وكان الشيخ علي الزين مدير الاجتماع . ورأسوا عليهم حمزة بن ناصيف النصار وتوجهوا بضع مئات وهاجموا قلعة تبنين وقتلوا حاميتها ومتسلمها وهددوا إبراهيم مشاقة الذي فر إلى الجزار طالبا اعفاءه من مهمته لكن الجزار زحف برجاله إلى العامليين والتقى بهم قرب قرية شحور حيث جرت معركة حامية قتل فيها حمزة الناصيف مع مائة من رجاله . ( 6 ) واستمر الجزار في انتقامه من العامليين مما دفعهم لمؤازرة نابليون حين حاصر عكا سنة 1799 وقدموا المؤن لجيشه حقدا على الجزار . لكن تراجع نابليون عن عكا جعل الجزار يستمر ثانية في انتقامه وعسفه وظلمه للعامليين . ( 7 ) وبقي الحال كذلك في جبل عامل حتى بعد أن خلفه عبد الله باشا في ولاية عكا ، ولم تتغير حاله العامليين هذه إلا بعد أن تولى سليمان باشا سنة 1805 على ولاية صيدا حين اعتمد معهم سياسة اللين والعدل فعادوا إلى بلدهم وعاد مشايخهم من آل صعب وآل الصغير ( فارس ومحمد الناصيف ) إلى التزامه بعد أن عوض سليمان باشا عليهم بعضا من أملاكهم . جبل عامل في عهد الشيخ ناصيف النصار كان جبل عامل قبل المرحلة التي نتكلم عليها يشكل جزءا من البلاد الشامية التي وقعت تحت سيطرة العثمانيين اثر معركة مرج دابق 1516 . وكانت الدولة العثمانية تقسم البلاد إداريا وعسكريا إلى ايالات وسناجق . كما كانت تمنح هذه الإيالات والسناجق بطريق « الالتزام » من يدفع أكثر يحصل على الولاية وله أن يجبي الأموال بالطريقة التي تناسبه وغالبا ما كان « الملتزم » يعتمد على الأعيان والمشايخ في عمله هذا . في هذا الإطار كان يحكم جبل عامل في ظل العهود العثمانية عدد من الأسر البارزة عن طريق استقلال أحد مشايخ هذه الأسر بالحكم شرط أن يحفظ الأمن ويؤدي الأموال المترتبة لخزينة الوالي . أما في عهد ناصيف النصار الذي استطاع ان يوحد العامليين ويبعد الشهابيين عن الجبل فقد تراجعت سلطة الدولة العثمانية وأصبحت سلطة اسمية فقط ولم يعد بإمكانها التدخل في شؤون البلاد المحلية ولا يهمها إلا قبض الضريبة المفروضة على مقاطعات جبل عامل ومقدارها ستون ألف غرش توزع على المقاطعات الثمانية . ( 8 ) ويبدو ان اختيار ناصيف تبنين مركزا لقيادته لم يكن وليد الصدفة إذ تشير المصادر التاريخية إلى أنه عندما جدد الأمراء العامليون الوافر من قلاعهم وأحدثوا بعض الحصون في منتصف القرن الثاني عشر الهجري كانت المقاطعات ثمانية : تبنين وهونين وساحل معركة وساحل قانا ومرجعيون والشقيف وإقليم الشومر وجباع والمرجع العام للثمانية كانت تبنين والحاكم فيها من آل علي الصغير . ( 9 ) ثم انتقل ناصيف النصار بجبل عامل إلى مرحلة الاستقلال التام عن الدولة العثمانية عندما أعلن الثورة مع ظاهر العمر سنة 1190 - 1775 فكان المشايخ الإقطاعيون العامليون غير ملتزمين « برفع علم الدولة الرسمي في اجتماعاتهم بل كان لهم اعلام خاصة من نسيج حريري - أخضر وأحمر - كتب عليها بالنسيج الأبيض ثلاثة سطور : لا إله إلا الله محمد رسول الله والثاني : لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار . والثالث : نصر من الله وفتح قريب » . ( 10 ) أما فيما يختص بالأمور القضائية فقد كانت الدولة العثمانية تعين قضاة

--> ( 1 ) العرفان . ( 2 ) لبنان في عهد الأمراء . ( 3 ) العرفان . ( 4 ) مشهد العيان . ( 5 ) محمد جابر . ( 6 ) ن . م . ولبنان في عهد الأمراء ومشهد العيان . ( 7 ) العرفان . ( 8 ) جرجي بني . ( 9 ) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية . ( 10 ) العرفان .