حسن الأمين

279

مستدركات أعيان الشيعة

من قبلها باسم نائب ونظرا لكون أغلبية العامليين على مذهب الشيعة الإمامية « فقد كان مرجع القضاء والفتوى الحقيقي في جميع أدوار جبل عامل العلماء والمجتهدون العدول » . ( 1 ) وخاصة في قضايا الأحوال الشخصية والفض في المنازعات وقضايا البيع والشراء والميراث وهذا يعني ان التنظيم القضائي والقوانين التي كانت تطبق فيه لم ترد في نصوص أخرجتها السلطة التشريعية كما هي الحال اليوم . وإنما كانت تتبع التعاليم الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم والسنة المطهرة على مذهب أئمة آل البيت والإجماع والاجتهاد وان ما نقل عن ناصيف النصار من إكرامه للعلماء وتقديره لهم انعكس تعزيزا لمنصب القضاء الذي كانوا يشغلونه وبالتالي أصبحت فتاواهم « حكما مبرما يوجب على الحاكم الزمني العمل بنصه ولو كان ضد الحاكم نفسه » . ( 2 ) من الناحية الاجتماعية : عرف المجتمع العاملي فئات ثلاث فئة الأعيان التي تمثل الطبقة الحاكمة وكبار الموظفين وتتمتع هذه الفئة بالشأن الرفيع . وكان الإقطاعي ينفذ في عامة الشعب أحكامه « وينظر في شؤونهم على هواه وهم اتبع له من ظله يعضدونه في تعزيز قوته وإعلاء مكانته » غير أنهم « لم يكونوا عبيدا لأصحاب الإقطاعات أرقاء لهم » . ( 3 ) فئة رجال الدين وتضم السادة والشيوخ المجتهدين . أما السادة فهم العلماء الذين يرجعون بنسبهم إلى النبي من ابنته الزهراء وينظر إليهم من قبل الشيعة بتقدير وإجلال كبيرين لنسبهم الشريف وأما الشيوخ المجتهدون فهم في الأصل من عامة الشعب درسوا العلوم الدينية والفقهية . وقد كان لرجال الدين عامة سلطة معنوية على أفراد الشعب والمشايخ الأقطاعيين على حد سواء . وقد عزز هذه السلطة العصبيات المذهبية التي كانت سائدة آنذاك إضافة إلى كونهم على مستوى المرحلة فقد استشهد عدد منهم دفاعا عن العقيدة والوجود . أما الفئة الثالثة فقد كانت عامة الشعب من فلاحين ومزارعين . ومعظم هؤلاء كانوا يعانون الفقر لكن أحوالهم تحسنت في عهد الشيخ ناصيف بعد ان تمركزت السلطة السياسية في يد قوية أشاعت الأمن والاستقرار وقد تحددت الضرائب على جميع مقاطعات جبل عامل بستين ألف غرشا سنويا ! « ولم يعودوا يدفعون الضرائب المتنوعة التي فرضها الترك على الأراضي من ويركو وأعشار ورسوم تمليك . . ولم تكن شبانهم تساق إلى الجندية » ( 4 ) أضف إلى أن التحالف الذي أقامه ناصيف مع ظاهر العمر أعفى العامليين من كثير من المشاكل التي كانوا يتعرضون لها على يد جيرانهم الفلسطينيين . ( 5 ) وقد تميز العلماء في عهد ناصيف « بسلطة عليا تفوق كل سلطة تتطأطأ لها الرؤس وتحني الرقاب » . ( 6 ) من الناحية الاقتصادية : كانت الحالة الاقتصادية في جبل عامل في ظل الدولة العثمانية تتصف بالفقر على وجه الإجمال لعدة عوامل أبرزها : موقع جبل عامل المتوسط بين مقاطعات البلاد الشامية مما جعله ممرا للجيوش ومسرحا لمعارك المتخاصمين ، مع ما يقتضي هذا الأمر من نفقات العسكر المار في الجبل من علائف ومؤن . . فقد كان يرهق الشعب المعدم بمطالبهم حتى أن الفرد أصبح يفر من الغنى لأن هذا سيجعله محط رحال العسكر . ويروى عن أحد التجار ان حاكما وهبه مرة قرية لإيقاعه بهذا المأزق الآنف الذكر ، فسعى التاجر بعناء حتى تخلى عن ثلاثة أرباع هذه القرية . ( 7 ) كما أن حالة الجور والاستبداد التي كان يلقاها العامليون على أيدي حكامه وملتزميه من غير العامليين ساهمت بدورها في تردي الحالة الاقتصادية . إضافة إلى حال عدم الاستقرار بفعل هجمات الدمار والخراب التي كان يتعرض لها العامليون على أيدي الشهابيين والولاة العثمانيين . وأخيرا عملية الإفقار التي كان يعتمدها الولاة في تحصيل الأموال السلطانية إذ كانوا يوعزون لرجالهم بنهب البيادر والمحاصيل . ( 8 ) ومن المعروف ان الناس لا يقدمون على الكد في تحصيل معاشهم إلا إذا كانوا على ثقة من التمتع بما يكسبون « لأنهم يفضلون الاكتفاء بالقليل التافه الذي يحصلونه بالتعب القليل على الكثير إذا جنوه بالكد ذهب طعمة للظالمين . فنشأ عن هذا همال الزراعة والصناعة والتجارة . ( 9 ) ومن الطبيعي أن تتغير الحالة الاقتصادية للجبل في عهد ناصيف النصار بعد أن تغيرت الأوضاع السياسية والاجتماعية حيث عرف الجبل مزيدا من الاستقرار السياسي وابتعادا عن سلطة ولاة الجور . فقد ازدهرت الزراعة في الجبل بسبب خصوبة أراضيه ونشاط فلاحيه يدل على ذلك مجموعة الآثار والظواهر المتوافرة في الجبل : كثرة معاصر الزيت ومعاصر العنب والخروب والمطاحن المائية على مجاري الأنهار وخاصة نهر الليطاني . كما كثرت في جبل عامل مزارع الزيتون كمزارع البصة وجاليل : التي كان يقلع منها كل سنة جانب عظيم ويصدر لجميع جهات بلاد بشارة وساحل عكا . ( 10 ) كما كثرت كروم التين والعنب في جميع أنحاء هذا الجبل وقد أطنب الرحالة روبنسون الذي زار البلاد في تلك الفترة في وصف لذة عنبها وكبر عناقيدها « . ( 11 ) أما زراعة التبغ فقد كثرت على هضاب جبل عامل وخاصة في ساحل قانا والجبال المجاورة لصور وكان تبغها « يشابه في جودته تبغ اللاذقية ويفوقه أحيانا » . ( 12 ) كما كانت زراعة قصب السكر منتشرة على مجاري المياه في جبل عامل ( 13 ) أما زراعة الفواكه فقد كانت بساتينها منتشرة حول صور وتروى بمياه رأس العين لكن العناية بها كانت ضئيلة . ( 14 ) فيما يتعلق بالصناعة يبدو أن الجبل لم يعرف في تاريخه صناعة مزدهرة لذلك اقتصرت الصناعات في جبل عامل على بعض المصنوعات اليدوية كصناعة الآلات الحراثية وصناعة الحصر من مساكب « البابير » وصناعة الزقاق من الجلود قرب الحولة . ( 15 ) يوميات في لبنان . كما كانت هناك بعض الصناعات التحويلية كتصنيع الزبيب والتين

--> ( 1 ) خطط جبل عامل . ( 2 ) محمد جابر . ( 3 ) جرجي بني . ( 4 ) محمد جابر . ( 5 ) ن . م . ( 6 ) ن . م . ( 7 ) المقتطف . ( 8 ) تاريخ ظاهر العمر . ( 9 ) بني . ( 10 ) خطط جبل عامل . ( 11 ) إدوار ربنسون . ( 12 ) عارف الزين . ( 13 ) يوميات في لبنان . ( 14 ) فرنسوا فولني .