حسن الأمين
277
مستدركات أعيان الشيعة
فيذكر تصميم الجزار الاستيلاء على جبل عامل : « جهز ( الجزار ) لهم هذه المرة عسكرا عظيما ولما بلغ الشيخ ناصيف النصار قدوم العسكر جمع رجاله ونادى لقبائل بني متوال . فاجتمعوا اليه من القبائل الثلاث ( آل الصغير - آل منكر - آل صعب ) لأنه كان كبير المشايخ والجميع ينقادون اليه . وسار بتلك العساكر قاصدا عسكر الجزار حتى التقوا بهم . فهجم عليهم الجزار ونشبت بينهم الحرب وحمل في مقدمة العسكر الشيخ نصيف النصار ولم يلبث أن أصابت رأسه رصاصة فقتل . فانهزمت المتأولة وأخلت البلاد ودخل عسكر الجزار إلى بلاد بشارة وتسلموا قلعة تبنين وقلعة هونين وحاصروا قلعة شقيف أرنون وكان فيها الشيخ حيدر الفارس وبعد أيام سلم فأخذها بالأمان ثم قتلوا كل من كان فيها » . ( 1 ) أما الشيخ علي السبيتي فيذكر انه « سنة 1195 أرسل الجزار عسكرا إلى حاصبيا ( ؟ ) فجاء إلى يارون فظن أهل بلاد بشارة ان العسكر يريدهم فحضر ناصيف وصارت وقعة قتل فيها ناصيف وخربت البلاد . وقيل إن عسكر الجزار حضر إلى البلاد بواسطة صاحب قلعة هونين وصار قتل ناصيف بواسطته وظن أن البلاد تضل ( تظل ) له . فلم يبق ( الجزار ) أحدا منهم » . ( 2 ) شبيب باشا الأسعد يروي بان الجزار كان يقصد جبل عامل مباشرة ويوافق صفا في كيفية حدوث المعركة ويتابع قائلا : جاء من جانب آخر زنجي وأطلق عليه الرمح فأصابه بجرح ثبت له فانثنى كارا عليه وضربه بالسيف وقتله فجاءه ثلاثة فوارس فأراد أن يميل عنان جواده نحوهم فزلت نعال جواده على بلاطة . . . فسقطا معا هو والجواد فحمل أولئك عليه وأطلق أحدهم الطبنجة فأصابته وطعنه الآخر في صدره فغودر عند ذلك قتيلا ودفن بجانب قرية يارون « . ( 3 ) الشيخ محمد تقي الفقيه يقول : « استشهد ناصيف في يارون على بلاطة واسعة تعرف اليوم باسمه والظاهر أنها سطح صخرة ضخمة مضمورة بالأرض سطحها يساوي سطح الأرض متصلة بمقبرة يارون رأيتها بنفسي في سنة 1963 م ورأيت فيها أثرا يشبه تزلق حافر حصان وكنت أظنه مصطنعا . ورأيت حمرة بسيطة في نفس الصخرة يزعمون أنها بقايا لون دمه » . ثم يروي رواية غريبة عن أحد أبناء تبنين مفادها أن ناصيفا أراد أن يستعمل ضربا من ضروب الفروسية فأشار إلى جواده بإشارة يعرفها فارتفع به عن الأرض ووقف على رجل واحدة وأراد أن يهوي بسيفه على قرنه عند هوي الجواد فتكون الضربة مضاعفة فانزلق به جواده ووقع على الأرض فهجم عليه ثلاثة أو أكثر وتعاونوا على قتله فقتل . ( 4 ) من خلال جميع الروايات العاملية نلاحظ حرصا على جعل استشهاد الشيخ ناصيف مميزا بل واسطوريا مما يدل على مدى تعلق العامليين بشخصية الشيخ ناصيف القائد . كما يبدو لنا الشيخ ناصيف خريجا « لمدرسة كربلاء » بما فيها من معاني القيادة والإخلاص والايمان القائد إلى الاستشهاد . وقد أرخ المرحوم الشيخ إبراهيم يحيى العاملي مقتل الشيخ ناصيف النصار بهذه الأبيات : قتل ابن نصار فيا لله من مولى شهيد بالدماء مضرج وتداولتنا بعده أيدي العدي من فاجر أو غادر أو أهوج هي دولة عم البلاد الظلم في تاريخها الله خير مفرج ( 5 ) وإذا كانت نتيجة أي عمل تعتبر جزءا لا يتجزأ منه فان النتائج التي ترتبت على استشهاد الشيخ ناصيف وما ارتكبه الجزار من فظائع في جبل عامل تؤكد أن هدف الجزار كان جبل عامل لا سواه . ماسي الجزار في جبل عامل اكتسحت جنود الجزار البلاد وأحرقت القرى ودمرت المنازل . وشحن ما في مكاتب جبل عامل من التأليف والمخطوطات النادرة حيث أحرقت في عكا . وشكاه علماء البلاد إلى الآستانة ولكن حكومة الباب العالي أرسلت اليه الشكوى عينا فانتقم من موقعيها . وأسرف رجاله في ذلك الشعب قتلا وذبحا وقبض على فريق من الوجهاء فأماتهم خنقا في سجون عكا وشرد من بقي منهم إلى البلاد المجاورة . وهاجر العلماء وأهل الفضل للبلاد الإسلامية النائية كالهند والعراق وإيران والأفغان وخدموا فيها الإسلام والشيعة الامامية أجل خدمة . وفر من بقي من الحكام وأبناء العشائر إلى جبال حلب والأناضول وقصد بعضهم « عكار » فأنزلهم حاكمها علي بك الأسعد المرعبي في دار رحبة لم تزل للآن تعرف بدار العشائر . . . وللعلامة الشيخ إبراهيم يحيى العاملي وكان فيمن فر من العلماء وسكن دمشق متسترا قصيدة غراء ألمح فيها لهذه الكوارث : من لي برد مواسم اللذات والعيش بين فتى وبين فتاة ورجوع أيام مضين بعامل بين الجبال الشم والهضبات . . . إلى أن قال : خطب دعاني للخروج عن الحمى فخرجت بعد تلوم واناة وتركته خوف الهوان وربما ترك النمير مخافة الهلكات وهكذا دامت الحال سنينا والعامليون يقاسون ضروب العسف والشقاء فحملهم ذلك على الاستبسال والاستماتة في سبيل الدفاع عن حوزتهم فثار الزعماء وأبناء العشائر وألفوا العصابات الثورية ليبدؤا مرحلة من حرب العصابات . ( 6 ) وقد أطنب المؤرخون في وصف ماسي الجزار التي ألحقها بجبل عامل بعد مقتل زعيمه ناصيف النصار . كما أن العامليين لا يزالون يتناقلون الروايات الفظيعة حول ذلك . فقد قضى الجزار على الاستقلال الذاتي لجبل عامل الذي كان ينعم به في ظل مشايخه وتابع انتقامه من العامليين بجيش مؤلف من « الأكراد والأتراك وأعمل السيف بهم واستباح أعراضهم ونهب أموالهم . . . ( 7 ) ولا بدع فهتك العرض واغتصاب العذاري من شيم اللئام » « وصار الأمير إسماعيل يعد النساء ويأخذ عليهم خفرا كما أخذ العداد والخراج وهدمت الدولة القلع وأخذوا الأولاد والنساء ( 8 ) » وكانوا يبيعون المرأة بعشرة مصاري ( 9 ) وكان الرجال يساقون إلى عكا حيث ينتظرهم الموت على الخازوق ( 10 ) وهرب المشايخ إلى بلاد بعلبك والشيخ قبلان واخوته إلى الشام وجعل الأمير إسماعيل يمسك اتباعهم ويبلغهم بأمر
--> ( 1 ) العرفان ( 2 ) ن . م . ( 3 ) العقد المنضد . ( 4 ) الفقيه . ( 5 ) أعيان الشيعة . ( 6 ) ن . م . ( 7 ) ميخائيل مشاقة . ( 8 ) العرفان ( 9 ) دواني القطوف . ( 10 ) العرفان